تهديد الديمقراطية .. من كان يصدق ان حزب لينكولن وايزنهاور يقدم ترامب

0
208

رصد ــ اينانا: تسببت الانتخابات الرئاسية الأمريكية في الكشف عن ظاهرة جديدة في الولايات المتحدة لا يمكن وصفها إلا “بالفاشية”، وهي توصيف كان من الممكن أن يقابَل بوابل من السخرية إن أقترح من قبل على مسامع الشعب الأمريكي، ولكن من المحتمل أن يتغير الكثير في شهور قليلة.

فمن كان يصدق أن يرشح حزب “أبراهام لينكون” و”أيزنهاور” دونالد ترامب، ليكون رئيسًا على الرغم من وعوده الانتخابية المبنية على خرق وتهميش دستور الولايات المتحدة الأمريكية، فوفقًا لموقع الاستطلاعات fivethirtyeight.com، أصبح ترامب موازيًا لمكانة هيلاري كلينتون الانتخابية.

وخسِرَ حزب اليمين المتطرف الانتخابات بفارق ضئيل في النمسا، حيث أبطل القضاء نتائج الانتخابات، وأُمِرَ بإعادتها وبإجراء انتخابات جديدة، أما في أوروبا، ازدادت شعبية الأحزاب اليمينية المتطرفة في مناطق مثل فرنسا والمملكة المتحدة البريطانية لدرجة كبيرة، حيث أصبحت شعبيتهم وقدراتهم على التأثير عالية للغاية، متحكمين في مجريات الأمور، كما ساهمت الحملة المطالبة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على سيادة أفكار الحزب اليميني المتطرف في داخل بريطانيا وخارجها، لتشمل هيمنة الأحزاب اليمينية في العديد من الدول الأوروبية الأخرى.

لماذا يحدث ذلك الآن؟، هناك أسباب عديدة معقدة تُفسّر تعلق الشعوب بالفاشية، ولكني أرى أن هناك عاملين جوهريين هما أساس هذه الظاهرة الواقعة أمامنا.

“أعظم خدعة أقنع الشيطان بها العالم كله”

أولًا، تصمد الديمقراطية فقط إن أحيطت بديمقراطيات أخرى تساندها؛ فالديمقراطيات المنفردة سرعان ما تندثر. ثانيًا، تُقوض صلاحيات الديمقراطية في النهاية عن طريق الخطابات التي تعمل على خلق أوهامٍ توحي بأن الديمقراطية كيان لا يمكن المساس به، اعتقادًا أن ترسخ الحكومات الديمقراطية في المجتمع والتوغل فيه، يحمي مسيرة الديمقراطية ويبقي عليها.

ففي النهاية، تضعف الديمقراطية بسبب الخطابات والشعارات الداعية لأهمية توافر عوامل ثقافية ومجتمعية من أجل تقبل قيام الديمقراطية المتمثلة فيما يدور حول “أصل الإنسان، وشخصياته المتميزة وقدر الشعوب”.

وتعد أحد أخطر المعتقدات المسلَّم بها في “ديمقراطية الغرب”، التي تعرضها الخطابات لتأكيد فكرة توافر الديمقراطية واقتصارها فقط على عوامل غريزية تقتصر عليها المجتمعات الغربية فقط، مثل ادعائهم أن عادات وتقاليد اليهودية والمسيحية واليونانية لا تحتاج إلى بذل مجهود ضخم لتطبيق الديمقراطية، لتصبح بذلك الديمقراطية سبيلا لا مفر منه.

وعلى عكس ذلك، تعاني المجتمعات غير الغربية لتطبق الديمقراطية، ففي خطاب البابا “بندكتوس السادس عشر” في “ريجنسبورج”، ناقش البابا جذور الحضارة الأوروبية المبنية على العقلانية والمنطق، برجوعه إلى معتقدات المسيحية المثالية من إعلائها للمنطق في معتقداتهم الإلهية.

بينما بدا وكأنه يعترض على تناسق مبادئ الإسلام وتوافقها مع الحياة الأوروبية، وفقًا للمبادئ الإسلامية التي تؤكد الإيمان بوجود الله، فهي تعتمد على ما هو يتخطى العقل والمفاهيم الإنسانية المُتعارف عليها، بينما وجّه “بيرناندينو ليون” خطابا لأعضاء حكومة الرئيس المصري السابق محمد مرسي، عندما شغل منصب الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي لجنوب البحر المتوسط، مؤكدًا أن مبادئ حقوق الإنسان تسير في دماء الغرب.

وبذلك يخلق مثل هذا الأسلوب من الخطاب شعورًا زائفًا من الأمان والاستحقاق، بينما يساهم في إساءة تقدير التهديدات الحقيقية التي تواجهها الديمقراطية، فتتحول المجتمعات بالتدريج لتصبح غير قادرة على اتخاذ القرارات الضرورية لتخليد الديمقراطية أو خلق دفاعات حقيقية للحفاظ عليها.

واستطاع “كيسيير يوزي” تقديم ملاحظة ثاقبة عندما وصف الشيطان قائلًا: “أعظم خدعة ابتدعها الشيطان في التاريخ، هي إقناع الجميع بعدم وجوده”، وبالطريقة نفسها، أعظم التحديات التي تواجهها الديمقراطية في أي بلد قد تكون بسبب المعتقدات الوهمية؛ بأن الوجود الديمقراطي في هذا البلد حتمي ولا مفر منه كجزأ لا يتجزأ من معتقداتهم.

وهكذا يضيع في وسط كل هذا العديد من التفاصيل التي لا تتناسق مع ما يذكره الغرب، حيث أثبتت الديمقراطية في روما واليونان، والتي استمرت  لفترة وجيزة من الزمن، فقد تبنت تقاليدها اليهودية والمسيحية الاستبداد معظم وقتها، لذلك نلاحظ أن الحكم الديمقراطي لم يتوغل في حياة الغرب إلا بعد تخليه عن استخدام الدين كأسلوب حياة أسياسي.

وطمس الخطاب الحالي على عقول الشعوب، فأصبح من الصعب تذكيرهم بأن الديمقراطية، مثلًا في كل من ألمانيا وإيطاليا بلغت من العمر جيلا واحدا فقط حتى الآن، متناسيين ديكتاتورية هيتلر وموسيليني، وأن إسبانيا تحتفل بمرور 40 عامًا فقط على ديمقراطيتها المستقرة.

“هنا وفي كل مكان”

وبالطبع هناك العديد من العوامل الأخرى التي تساهم في تآكل الديمقراطية نتيجة سقوطها في مناطق أخرى، في عالم يتضاءل يومًا بعد يوم، فالعالم أصبح صغيرًا للغاية مع انتشار تكنولوجية الاتصالات وسهولة عملية التنقل حول العالم، وبذلك تهدد الديمقراطية في مكان ما إن هُدِدَت في مكان آخر.

فعندما سُئل “مالكوم إكس” عن حادثة اغتيال “جون كينيدي”، عقَّبَ على هذه الحادثة بكونها أخطاء الماضي التي عادت للانتقام، فتبنى ودعم نظام حكم ديكتاتوري في مكان آخر من العالم، سيؤتي بثماره السيئة عليها مهما طال به الزمان، فأخطاء أمريكا الدولية من دعمها للحكام الدكتاتوريين، عادت لتواجه توابعها، فإذا دعم الغرب أساليب العنف والقمع والاستبداد كأفضل وسيلة تستخدم لحكم الشعوب، مثلما يحدث في الشرق الأوسط، سنخاطر بتسرب مثل هذه الأساليب إلى مجتمعاتنا الأوروبية.

تحكي لنا القضية المصرية ما يثبت هذه النظرية، حيث أشاد العديد من المرشحيين للرئاسة الأمريكية ووزير الخارجية الأمريكي وحتى الرئيس الأمريكي نفسه، بأساليب حكم الرئيس المصري “عبدالفتاح السيسي” واصفين إياها بالأساليب الضرورية ذات البصيرة. لكن هل ستكون هي نفس القضية إذا ما أشاد مرشحينا الرئاسيين بأسلوب إدارة “فلاديمير بوتن” لبلده؟، وهل سنفاجأ إذا ما اكتشفنا إعجاب البعض أو الكثير من الغرب  بمثل هذه الخصال، مؤمنين بحاجتنا إلى أمثال هؤلاء الزعماء؟.

“عرِّفها.. ثم دافع عنها”

ولكن ماذا لو كانت من مصلحة الشعوب الديمقراطية أن تنشر تعاليم الديمقراطية حول العالم؟، كيف يمكن تحقيق ذلك؟، يجب ألا ننسى أن مأساة العراق الحالية كان سببها الأساسي هو الوعود بغزوها، من أجل تحرير شعبها من قبضة الاستبداد وتحويل مسارها الديكتاتوري لتزدهر وتتحول الى دولة ديمقراطية.

ولكن بعد مرور قرن ونصف، لم يزدهر في العراق سوى الطائفية والعنف المتطرف، وحتى تدخل القوات الأمريكية الطفيف في ليبيا لم يستطع تحقيق أي تقدم آخر في مجال الديمقراطية وإنما ساءت الحياة بها أكثر، لذلك فشلت البلاد القائمة على الديمقراطية في محاولتها في تغيير العالم ليصبح مطابقًا لها، كوسيلة لتحقيق الديمقراطية الدولية. لذلك أعتبر سؤال كيفية ترويج مبادئ الديمقراطية من أسوء الأسئلة التي يمكن طرحها، ولكننا من الممكن أن نحاول الوصول إلى تعريف نتفق عليه فيما يخص مصطلح “الديمقراطية”، فالديمقراطية لا تقتصر بالضرورة على فرض مجموعة من القيم والقوانين.

لكن على الرغم من ذلك، فإنه يجب أن تتوافر 3 عوامل مهمة، كحد أدنى، لتصنف أي دولة بكونها ديمقراطية، حق الشعب في اختيار حكومته بنفسه، حكم تطبيق القانون، مرتكزًا على قضاء مستقل يتسم بالصرامة؛ وأخيرًا عدم اللجوء إلى أساليب العنف عند حل النزاعات.

مما لا شك فيه أن مهمة نشر هذه القيم أمر صعب للغاية، ولكن لابد أن نتفهم أن مع تقلص مساحة العالم، سيأثر فشل تطبيق الديمقراطية في مكان ما على جميع الديمقراطيات في كل مكان آخر.

اترك تعليق