“عين الموصل”: تفاصيل معبرة عن حياة المدينة تحت سلطة “داعش”

0
517

بغداد – إينانا: من داخل مدينة الموصل التي تتجه إليها اليوم أنظار العالم، قدم مدون مجهول الهوية تفاصيل معبرة عن طبيعة الحياة تحت حكم التنظيم الإرهابي.

وظهرت كتابات هذا المدون التي ينشرها باسم “عين الموصل”، على الإنترنت بعد وقت قصير من اكتساح التنظيم للعراق في يونيو (حزيران) 2014، وقد أجرت روبن رايت، الكاتبة في مجلة نيويوركر الأمريكية، لقاء معه عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وحشية المحتلين

في البداية، تقول روبن، نشر المدون تقارير تتعلق بحال الطرقات حول الموصل التي كانت آمنة. ثم وصف حالة القلق التي شعر بها السكان حيال ارهابيي داعش المسلحين بمتفجرات وأسلحة فتاكة. كما وصف حالة الاستياء بسبب انقطاع الكهرباء مرات عدة، ونتيجة لارتفاع الأسعار والفوضى السائدة في الأسواق المحلية، والخشية من نقص الأغذية، فضلاً عن وحشية المحتلين. 
وبعد عام على احتلال الموصل، توسعت مدونة “عين الموصل” فأصبح لها حسابان على فايس بوك وتويتر، وحيث اتسمت الكتابات على هذين الموقعين بالرصانة والحزن، وصارت أيضاً مبعث إلهام.

أجواء الحرب

ويوم الإثنين الماضي، كتب على مدونة “عين الموصل”: “اليوم دخلت الموصل أجواء الحرب. فالقصف متواصل على عدة مناطق في المدينة، وخاصة على أطرافها الجنوبية والشرقية الجنوبية. وقد صادر داعش بطاقات خاصة بهواتف ذكية، ومن استطاعوا إخفاءها، يخشون استخدامها. كما فخخ داعش جميع الجسور في الموصل، ووضع تحت الجسر الخامس سيارات مفخخة، وأعدم 23 شخصاً فجر اليوم”.

موقع حقيقي

ويصف المدون نفسه باسم “مؤرخ مستقل من داخل الموصل”، ويعتقد باحثون عراقيون ومن المنطقة أن الموقع حقيقي. ونقلت روبن عن الباحثة العراقية رشا العقيدي، المقيمة حالياً في دبي، قولها إن “المعلومات الواردة في المدونة موثقة، ويمكن اعتمادها”. 
وكمؤرخ، وثق المدون للاضطرابات التي شهدتها الموصل خلال حكم رئيس النظام السابق صدام حسين، وما آلت إليه المدينة عقب الغزو الأمريكي، في عام 2003، عندما استولت عدة فصائل مسلحة عليها

حقائق تاريخية
وكتب المدون:

“يتحدث البعض عن الموصل بوصفها مدينة سنية خالصة، فيصبغونها بصبغة دينية، وهو أمر مخالف لحقائق تاريخية واجتماعية. فقد شهدت المدينة مراحل تاريخية طويلة، كان سكانها من عراقيين وكرد وشراكسة وآشوريين يتعايشون معاً بسلام. ولم يشكل الدين يوماً السمة الطاغية لهذا التنوع العرقي والديني، بل كانت الموصل صورة عن التحضر والثقافة”.

أسباب إنشاء المدونة

وحول أسباب إنشاء مدونته في عام 2014، قال: “ليست هذه أول مرة يسيطر فيها إرهابيون على الموصل. وبعد غزو داعش، كنت متأكداً من أن هذه الفترة ستكون مختلفة. وعند تلك اللحظة، شعرت بواجب البدء في الكتابة عن التاريخ الموصلي الحقيقي. ويوماً ما، قد أنشر هذا الفصل من تاريخ المدينة، ولكن لا أعتقد أنه سيظهر إلا بعد موتي، إماً اغتيالاً، أو لأسباب طبيعية”.

مجموعة من الحمقى

وعن كيفية إخفائه هويته، يقول المدون: “اعتدت على الاستماع إليهم، وخاصة عندما ألتقي بمجموعة منهم داخل السوق القديم. ولمعرفتي الجيدة بالإسلام، تحاورت معهم في أمور فقهية. وكانوا يقولون ما شاء الله، واعتدت أن أضحك عليهم، وأسخر منهم، لأني لا أشاركهم نفس الآراء والمعتقدات. لطالما شعرت أنهم مجموعة من الحمقى يمكن تحريكهم في أي اتجاه”.

خوف شديد

وقال المدون لروبين: “أشعر بخوف شديد على حياتي، وكثيراً ما أتخيل أنهم سيكتشفون بأني خدعتهم، وعندها ستنتهي حياتي في غمضة عين. وبالفعل أخذت في تجنب الحديث معهم، وبدأت في التردد على المساجد والبقاء هناك لساعات طويلة، استمع لمحاضراتهم. وبهذه الطريقة، أتظاهر بالتقوى، وأبدو في حالة لا مبالاة، وأني لا أهتم سوى بالعودة إلى بيتي. كما أتظاهر أحياناً بأني أبله، ولكني أبقى عيناي وأذناي مفتوحتين لتسجيل كل شيء فور عودتي إلى بيتي”.

فراغ أمني

وحول أسباب سقوط الموصل في قبضة داعش، قال المدون: “لا أميل لفكرة” سقوط الموصل، لأن ذلك يعني أن الأمر حصل في تلك اللحظة، الحقيقة أن الموصل، كانت جاهزة للانهيار في أية لحظة، وقبل وقت طول، وجاء ظهور داعش فقط نتيجة لأمور حصلت سابقاً، بما فيها الفراغ الأمني، والأهم منه تشويه التركيبة الاجتماعية للمدينة. يضاف إليها سوء تعامل بغداد مع الموصليين. فقد اعتادت المدينة على تنوعها الثقافي والاثني، حيث عاش الجميع بسلام، وكانوا يصلون معاً في وئام ومحبة. ولكن صدام حسين أخضع المدينة، وجعلها عرضة لكل شيء، وليس فقط لداعش.

تغيير كبير

وحول ما طرأ على الموصل تحت حكم داعش، يقول المدون: “جرت تطورات عدة، فقد هجرها عدد كبير من سكانها الأصليين، وتوزعوا حول العالم. ولا أعتقد أنهم سيعودون. والتزم آخرون الصمت إلى الأبد، فيما تحاول مجموعات أخرى الحفاظ على ما تبقى. أحاول توثيق ذلك بقدر الإمكان لأعطي للعالم صوراً عن مدى التحولات التي طرأت على الموصل. ولكن، في جميع الأحوال، دمر داعش المدينة، ومحا آثارها التاريخية. كما قصف التحالف الدولي المباني الإدارية، وتحول الفرد الموصلي إلى مخلوق فاقد للإحساس وللثقة بأي شيء وبجميع الناس”.

استعادة هوية المدينة

وعما يتمناه سكان الموصل، وما يرغبون به، قال المدون إن سكان الموصل يريدون استعادة هوية المدينة، الهوية التي أخذها صدام حسين منهم، ومن ثم جاء تنظيم القاعدة، وبعده رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، واليوم داعش. 

وقد وصف المؤرخ بيتر سلوجليت معنى الهوية الموصلية، قائلاً: “لطالما نظرت الموصل نحو حلب في سوريا، ونحو تركيا في جنوبها الغربي، أكثر مما نظرت نحو بغداد”. 
وقال المدون المجهول: “أتحدث عن النظرة النفسية والاجتماعية. وحتى بعد غزو داعش، ظلت حلب أقرب إلى الموصل، مما هي عليه بغداد”. 
ع.ع / أ . م

اترك تعليق