ما المآلات المتوقعة .. تساؤلات مفتوحة حول شكل “عراق ما بعد داعش”

0
477

رصد ــ اينانا: كتبت فورين افريز ان حملة تحرير الموصل من أيدي تنظيم داعش اثارت تساؤلات حول شكل العراق بعد هزيمة التنظيم؛ فطرد التنظيم من العراق لن يقلل أعداد التنظيمات المسلحة في العراق، كما أنه لن يحِد من احتمالات وقوع العنف، وبعيدًا عن أن زوال تنظيم داعش ينذر بنهاية الاضطراب الحالي في العراق، إلا أنه قد يكون له تأثير عكسي، حيث أنه قد يخلق فرصًا للتنافس على العنف في المناطق التي غادرها التنظيم المسلح.

هناك عدد من الأسباب لكون الأمر على هذه الحالة؛ أولها هو أن التنظيم قد أدى إلى تفاقم المظالم القديمة للتنظيمات المتعددة الخاضعة لسيطرة تنظيم داعش في محاولة لزيادة المنافسة بينها، أما السبب الثاني فهو الزيادة الكبيرة في الأسلحة الدعم الخارجي المقدم للتنظيمات المسلحة في العراق خلال السنوات الأخيرة، وقد كان الجزء الأكبر يهدف إلى قتال تنظيم داعش، وبالرغم من تنافس إيران وتركيا وأطراف إقليمية أخرى على النفوذ في عراق ما بعد تنظيم داعش، فإن بغداد سيكون عليها التعامل مع التوترات المتزايدة على المستوى المحلي، سواء كانت بين المجتمعات الدينية والعرقية المختلفة أو بين المجموعات المعينة التي تتكون منها هذه المجتمعات.

مقسم ومحتل

التوترات بين المجتمعات الدينية والعرقية في العراق في تزايد؛ فالاحتكاكات بين العرب والأكراد في المناطق المتنازع عليها في الأجزاء الشمالية من محافظة ديالى والأجزاء الشرقية من محافظة نينوى وفي مدينة كركوك، التي استولى عليها المقاتلون الأكراد بعد انسحاب الجيش العراقي في وجه هجوم لتنظيم داعش في صيف عام ٢٠١٤، في تزايد مستمر.

وخلال الأسابيع الأخيرة، تعرضت كركوك مرة أخرى لهجوم مقاتلي تنظيم داعش في محاولة لصرف انتباه القوات العراقية عن الهجوم على الموصل، ووفقًا للشيخ برهان عاصي، وهو عضو عربي بمجلس المحافظة بمدينة كركوك، فبعد هذا الهجوم الذي وقع في أكتوبر، استخدمت القوات الكردية مكبرات الصوت الخاصة بمساجد العديد من الأحياء الكردية؛ لمطالبة النازحين العرب داخل المدينة بمغادرتها، وهذا يشير إلى أن المسلحين الأكراد يعتبرون أن هناك علاقة بين العرب وتنظيم داعش.

العرب بالمنطقة ليسوا راضين عن تمدد النفوذ الكردي خلال السنوات الماضية، وهم الآن ممثلون في قبائل لم تنتظم في شكل ميليشيات، لكن هذا قد يتغير بسهولة بمجرد تحرير المناطق الخاضعة لسيطرة تنظيم داعش، مما سيشجع التنظيمات على التزاحم على السلطة.

وكما احتدمت التوترات بين الأكراد والعرب، فقد تفاقمت أيضًا الخلافات القديمة بين السنة والشيعة، وقد كانت هذه الخلافات موجودة بالفعل قبل ظهور تنظيم داعش، أما الأماكن التي تعرض فيها التنظيم للهزيمة فقد أصبحت أسوأ؛ فمثلا هناك حالة سليمان بك، المدينة متوسطة الحجم التي تقع بالقرب من من الحدود بين محافظتي ديالى وصلاح الدين، والتي قامت بها قوات البيشمركة وفصائل الحشد الشعبي بالسيطرة عليها بعد هزيمة تنظيم داعش خلال النصف الثاني من عام ٢٠١٤، وبعد حوالي عامين من تحرير المنطقة، لا تزال فصائل الحشد  تمنع كثير من المدنيين السنة الذين فروا خلال القتال من العودة إلى منازلهم، وتركوهم عالقين في مخيمات للنازحين داخليًا، ويقول طالب محمد، مدير المنطقة: “لقد قمت بجميع الإجراءات اللازمة لإعادة الناس إلى منازلهم، امتثالاً للوائح الحكومة العراقية”، حيث أن عجز الحكومة المحلية يعكس بُعدًا ديناميكيًا أوسع في العراق؛ هو أن اعتماد بغداد على الميليشيات الشيعية قد سمح لهذه التنظيمات باكتساب سلطة لا مبرر لها.

وقد امتدت الانقسامات بين السنة والشيعة إلى المجتمعات التركمانية أيضًا، ومدينة تل عفر هي فقط أحد الأمثلة على هذا، فعندما سيطر تنظيم داعش على المدينة في يونيو ٢٠١٤، هرب كثير من الشيعة التركمانيين، وانضم كثير من السنة التركمانيين إلى التنظيم المسلح، وقاموا بالاستيلاء على ممتلكات الشيعة الهاربين وبيعها، ولا تزال مدينة تل عفر تحت سيطرة التنظيم داعش؛ وعندما يتم تحريرها في النهاية، فإن التوترات بين السنة والشيعة التركمانيين قد تخرج إلى العلن.

اضطراب في كردستان

بالرغم من أن الحرب ضد تنظيم داعش قد وحدت التنظيمات الكردية المتعددة في الشرق الأوسط ضد عدو مشترك، إلا أنها لم تنجح في القضاء على الصراعات الداخلية بينها، ويظهر هذا بشكل واضح في سنجار على وجه الخصوص، حيث زادت المنافسة بين التنظيمات التابعة لحزب العمال الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، وهو الحزب المهيمن على الحكومة الإقليمية الكردستانية، منذ طرد تنظيم داعش خارج المنطقة في نوفمبر ٢٠١٥، وكان حزب العمال الكردستاني من بين أوائل التنظيمات التي ردت على أفعال تنظيم داعش في العراق، وعلى التطهير العرقي الذي قام به التنظيم الإرهابي في المنطقة المحيطة بسنجار، وهو الموقف الذي أتاح له تعميق وجوده في المنطقة بشكل كبير.

قبل الحرب على تنظيم داعش، كانت سنجار منطقة متنازع عليها؛ فقد كانت تحت سيطرة الحزب الديمقراطي الكردي، لكن التنظيمات التابعة لحزب العمال الكردستاني لم تستطع التخلي عنها أيضًا، حيث أنها تعد منطقة اتصال بين العراق والتنظيمات المتحالفة مع حزب العمال الكردستاني في المناطق الكردية السورية، والآن وقد أصبح حزب العمال الكردستاني أكثر قوة بعد عملية سنجار، أصبحت المنافسة بينه وبين الحزب الديمقراطي الكردستاني أكثر اشتعالاً، فكلا الطرفين يقومان بجمع السلاح، خلال الأشهر الأخيرة، وقد تبادلا عددًا من التصريحات السياسية الصعبة.

كما أدت النزاعات الداخلية بين الأكراد العراقيين إلى حالة استقطاب داخل مجتمع اليزيديين، الذي لم يكن مسلحًا قبل الحرب مع تنظيم داعش، والآن أصبح يمثل اليزيديين العراقيين عدد من التنظيمات المسلحة؛ قوات حماية سنجار التابعة لحزب العمال الكردستاني، ووحدات مقاومة سنجار، والوحدات اليزيدية الموالية للحزب الديمقراطي داخل قوات البيشمركة، وقوات تعبئة شنغال، التي تهدف إلى الحكم السياسي الذاتي.

وأخيرًا، هناك تنافس بين اثنين من أكبر الأحزاب السياسية الكردستانية، وهما الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردي، وينشأ التوتر بينهما من أن كلا الحزبين يسيطر على عدد من الفصائل التابعة له داخل قوات البيشمركة، ولأنهما قد يتنافسا على السلطة في المناطق التي تم الاستيلاء عليها مؤخرًا، وهناك بالفعل إشارات على احتدام هذا التنافس؛ ففي سبتمبر – على سبيل المثال – توصلت الحكومة الإقليمية الكردستانية التي يهيمن عليها الحزب الديمقراطي إلى اتفاق مع الحكومة العراقية الاتحادية حول بيع النفط المستخرج من كركوك، لكن زعماء الاتحاد الوطني الكردستاني لم يقبلوا بالاتفاق؛ فقاموا بإرسال خطاب إلى رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي يطالبون بغداد بمناقشة هذه القضايا معهم بدلاً من أعضاء الحزب الديمقراطي.

اقتتال داخلي وعدم استقرار

ويظل السنة العرب المجتمع الأقل تنظيمًا في العراق، لكن هذا قد يتغير بمجرد هزيمة تنظيم داعش الذي انضم إليه العراقيون السنة، وكما هو الحال مع الأكراد العراقيين اليوم، فقد يؤدي هذا إلى اقتتال داخلي في المستقبل القريب.

تضم الموصل بالفعل العديد من المجموعات السنية العربية المسلحة، وتعمل هذه المجموعات الآن معًا ضد عدو مشترك، ولكن نظرًا لأنهم يحصلون على دعم من جهات مختلفة (حيث يتلقى الحشد العشائري دعمًا من الحكومة العراقية، على سبيل المثال، بينما تحصل كتائب الموصل على دعم من تركيا)، فمن المرجح أنهم سوف يتنافسون على السلطة بمجرد هزيمة تنظيم داعش.

كما تزيد الرغبة في الانتقام من عملاء تنظيم داعش والمتعاطفين معه من فرص الاقتتال الداخلي بين العرب السنة، فقد انضم بعض العرب السنة إلى تنظيم داعش وقاتلوا ضد أفراد القبائل السنية التي لا تنتمي إليه، وفي مثل هذه الحالات، وما أن تتم هزيمة تنظيم داعش، فإن القبائل التي تعرضت للاضطهاد قد تتبنى نزاعات واسعة النطاق مع قبائل المعتدين، وتشير الواقعة التي حدثت بين قبيلتي العبيد والبيات في قرية بالقرب من مدينة الحويجة إلى هذا الاحتمال؛ ففي أواخر عام ٢٠١٤ انضم مراهق ينتمي لقبيلة البيات إلى تنظيم داعش وتم إرساله لقتل رجل شرطة عراقي سابق ينتمي إلى قبيلة العبيد، وفقًا لأحد الفلاحين الذي تربطه علاقه مع قبيلة البيات، لكنه رفض ذكر اسمه خوفًا من انتقام تنظيم داعش، وخوفًا من أن تطلب قبيلة العبيد الثأر لمقتل الرجل بدأت القوات العراقية في إخراج المسلحين خارج المنطقة، وهناك أيضًا الكثير من النزاعات الصغيرة التي سوف تنشأ بين العرب السنة بمجرد هزيمة تنظيم داعش، مثل الصراعات حول ملكية الممتلكات التي تم تحديدها بناءًا على الألقاب التي منحها تنظيم داعش، وهذه أيضًا قد تؤدي إلى وقوع أحداث عنف إذا لم يتم حلها بشكل مناسب.

وفيما يتعلق بالشيعة العرب، فهم كالسنة العرب، يمثلهم عدد من  المجموعات المسلحة التي تحصل على الدعم من مصادر متعددة، على رأسها إيران والحكومة العراقية، وقد أدى الصراع بينها إلى أحداث عنف بالفعل في المناطق المحررة من تنظيم داعش؛ ففي يونيو، على سبيل المثال، وقع قتال بين تنظيم بدر وعصائب أهل الحق، وهما تنظيمان شيعيان مسلحان، استمر ليوم كامل في مدينة طوز خورماتو، مما أسفر عن إصابة العديد من الأشخاص، وقد بدأ العنف عندما قامت عصائب أهل الحق بخطف أحد عناصر تنظيم بدر، وانتهى فقط عندما انسحبت عصائب أهل الحق من المنطقة.

ومن غير المرجح أن يتمكن العراق من بناء جيش قوي موحد لحل هذه المشكلات، بسبب اعتماد بغداد على فصائل الحشد الشعبي، وبسبب عدم امتلاك الحكومة المركزية العراقية السلطة لفرض نظامها الخاص؛ فسوف يكون العراق معقلاً للتنظيمات المسلحة غير التابعة للدولة، وهذا أمر مثير للقلق، لأنه كلما زاد عدد التنظيمات المسلحة التي ستظهر في العراق، كلما كان من الصعب جمع الفصائل العراقية المتنازعة على مائدة المفاوضات للوصول إلى حلول سياسية لمشكلاتهم.

اترك تعليق