لكل زمان .. محمد حديده

0
2384

منذ أيام أعيش نشوة المأدبة الارستقراطية التي كنت فيها ضيف شرف، ميسون صديقة أيام الكلية والتي كانت شمعة قسم اللغة الفرنسية دعتني الى بيتهم في المنصور، استقبلني والدها بترحاب كبير، لم يقل “شعنده جاي” كما توقعت، كان يلف الروب حوله وخف قديفة يسحل قدميه الثقيلتين، بدا مثل عماد حمدي في أيامه الأخيرة او مثل عادل ادهم في فيلم (سواق الهانم)، باشا من أيام بغدادية لا تنسى يعيش حياته كما يريد.

اخبرني ان السيارة الفيات المركونة في الكراج الطويل كانت اول سيارة من نوعها تدخل للعراق، بدا مثل المولع بها ومثل من يعشق حاجته القديمة، كان يتحدث عن مفتاح قناني الوسيكي الثابت في الدولاب مثل مفتاح لليالي جميلة لا تعود ابداً.

كانت المكتبة الغاصة بالكتب تحتل ضلعي الصالة، وبين تلك الكتب كان كتاب مذكراتي لمحمد حديد مطروحا على الطاولة ، قال استاذ حميد والد ميسون، انها مذكراتي وليست مذكراته وحسب، انها مذكرات جيل؛ وهي أيامنا التي لا تنسى، ويضيف كان محمد حديد صديقي.

يتحدث والد ميسون عن محمد حديد كمن يتغزل بماضي ساحر، فيصفه بالرجل الحر .. ابن المتمدن وحارسه، لم يصنعه منصب وزير التموين عام 1946 ولا منصب وزير المالية بين عامي 1958 و1960 ، فقد صنع نفسه قبل ذلك ، ساهم في كتابة ثاني دستور بالعراق، ودافع عن الديمقراطية بل استقال من منصبه في حكومة نوري السعيد احتجاجا على تدخل في وزارته، وهو الخبير الاقتصادي الذي كان قد تخرج مع مرتبة الشرف من احد جامعات لندن بعد ان درس الاقتصاد وعلوم السياسية هناك.

اكمل استاذ حميد حديثه عن محمد حديد وبينما كان يهم للمغادرة ليجلس على كرسي مشبك سبعيني تحت شجرة نارنج في الحديقة، طلت على شاشة التلفزيون صورة محمد حديد الحلبوسي وتحتها عنوان رئيسي “فضيحة كبرى تهز البرلمان .. رئيس اللجنة المالية يفرض اتاوى على الفقراء المتقدمين للوظائف ويبيع الدرجات الوظيفية في وزارة التربية”.

قلت لميسون أي “طز كبيرة” سيقولها ابوك العاشق لايامه حين يعلم ان هذا النائب في شاشة التلفزيون اسمه محمد حديد ايضاً، تأملت صورة والد ميسون وهو يمسك بكتاب ثان وقد مدد قدميه على كرسي وذهبت متأملا فعلا ما الذي يكن ان يقوله هذا الرجل عن محمد حديد الحلبوسي حين يعلم انه يرأس اللجنة المالية في البرلمان العراق ويسهم في رسم السياسية المالية في العراق ثم تساءلت ما الذي مكن ان يقوله حين يعلم ان الحلبوسي وضع تسعيرة للدرجة الوظيفية الممنوحة لمحافظة الانبار وذلك في بورصة فتحها بمكتب جمال الكربولي رئيس حركة الحل التي يبدو انها تجد الحلول للحصول على الأموال وليس سواه.

كانت حصة الحلبوسي كما اشارت قناة الشرقية 800 درجة وظيفية في محافظة الانبار وبغداد حيث قام مساعداه كل من شوكت الجميلي وحامد الجميلي بفتح مزاد علني لبيع تلك الدرجات الوظيفية فكانت اسعاره اقل من بقية النواب اذ تشير المصادر الى ان مبلغ التعيين في وزارة التربية بصفة مدرس، عبر الحلبوسي كانت اربعة الاف دولار ومبلغ تعيين المعلم لم يتعدى ثلاثة الاف دولار.

يقول خصومه انه من تجار البرلمان، حيث يتم فرز البرلمان العراقي الى تجار وسياسيين، والحلبوسي واقف في رصيف التجار، عرف مبكرا دهاليز الأموال والصفقات، اما شركة بيت الحديد التي نفذت مشاريع في شبكة المجاري بالفلوجة وكانت عنوان نزاع وخلاف بينه وبين المحافظة ومجلسها وخاصة رئيسها السابق صباح كرحوت الحلبوسي أيضا، فقد باتت يافطة للايحاء بان الرجل مقاول سابق، وفي البرلمان تعقد الصفقات ، رغم انزعاجه من عبارة “الحلبوسي من كمال الى جمال” في إشارة الى كمال المفرجي استاذه في الكلية والذي فتح له باب التعاقدات وجمال الكربولي استاذه في التجارة السياسية.

كان محمد الحلبوسي الذي يتردد عن انه حاصل على البكلويوس في الهندسة وهو من مواليد عام 1981 يتعثر في الكلام، حتى انه لما خاض المعترك السياسي بعد ان حاولت الحل جمع الموالين لها من التجار، استغنى عن الحديث بلسانه معوضا ذلك باغاني هابطة تعبر ذوق مترد، ثم سرق البرنامج الانتخابي للمهندس قاسم الفهداوي وبات يعرف في الانبار باسم “اللطاش” وهو اسم حاول انصار الفهداوي اشاعته ، نائب لا يميز بين تذليل العواقب وتذليل العقبات.

وليست هذه المرة فحسب يمارس الحلبوسي اللطش ، فبدا وكأنه الذراع التي يحاول فيها رئيس كتلته السياسية سرقة مشاريع وزير الكهرباء السياسية والاستثمارية، وغير ذلك فان النائب الغض كما يصفه “مخضرمو” البرلمان والعارفين بمسالكه دخل في صراع جديدمع صباح كرحوت الرئيس السابق لمجلس محافظة الانبار عضو كتلة الاصلاح للسيطرة على المشاريع المقدمة من قبل المنظمات الدولية في قضائي الفلوجة والكرمة.

النائب الحلبوسي وبحسب شكاوى كرحوت لمقربين منه قام بالضغط على منظمات دولية، مستغلا عضويته في البرلمان لاجل احالة عقود تقديم الخدمات والتجهيز للشركة التابعة له مما دفع بالكثير من المنظمات الى الانسحاب من محافظة الانبار، لكن لسان “حديد” .. العصر الجديد الحلبوسي يقول 50 مليون دولار مجموع مبالغ المساعدات المقدمة من الدول المانحة والنقد الدولي وتنمية الأقاليم، تستحق صراعا شرسا ابعد خلاله حيتان الانبار وحول قضاء الكرمة الى ضيعة لآل كربولي، بعض من رد الجميل لمحاولات رئيس حركة الحل فرضه رئيسا لهيئة الاعلام والاتصالات النفط الذي يسيل في السموات العراقية قبل ان يصطدم الترشيح بخيارات المالكي رئيسا لهذه الهيئة.

علم الحلبوسي ان الحل في بوس اللحى فعرف طريق القاضي فائق زيدان الذي كان له دور كبير في اقصاء المرشحين للانتخابات ومن ضحاياه كان جواد الشهيلي والشيخ صباح الساعدي وحيدر الملا، زيدان وعد النائب بأن يحصل على حكم لوالدهِ في قضية مدنية تتعلق بعقد قيمته أكثر من 300 مليون دولار.

تمر تلك الحكايات على لسان المذيع وهو يلوك أفعال محمد حديد العصر الجديد فيما ابصر من خلف زجاج رجل من زمان جميل يقلب صفحات كتابه وهو يحن لمحمد حديد زمانه، ولم يعلم ان صاحبنا الحلبوسي يقول لمحدثه في حوار تلفزيوني “الله وكيلك لو كان النفط في الانبار ما ننطيكم تنكة نفط ونكون اشرس”.

اترك تعليق