ديفيد أرميتاج .. الحروب الأهلية

0
57
يصف ديفيد آرميتاج، أستاذ التاريخ في جامعة هارفارد عالمنا الحالي بأنه عالم الحروب الأهلية. وفيما يلاحظ تراجع عدد الصراعات بين الدول اعتبارا من عام 1945 وحلول فترة سلام طويلة الأمد بينها ينبه إلى انتشار حروب أهلية عديدة جدا في مناطق مختلفة من العالم، إذ يحصي منها عشرين حربا تقريبا دارت وتدور في وقت واحد سواء في أوروبا أو آسيا أو الشرق الأوسط وأفريقيا منذ عام 1989 أي ما يقارب عشرة أضعاف المعدل السنوي المسجل بين 1816 و1989. وينبه الكاتب إلى أن الصراعات التي وقعت بين الدول منذ عام 1945 أودت بحياة 25 مليون شخص تقريبا، وهو العدد المسجل لمن سقط في عمليات قتالية، فيما من الصعب جدا إحصاء الخسائر التي تسببها الحروب الأهلية رغم كل المحاولات المبذولة ليؤكد بأن هذا النوع من الحروب هو الأكثر انتشارا والأكثر تدميرا والأكثر سوءا من بين أشكال العنف البشري المنظم
جاء ذلك في كتابه الأخير وعنوانه “الحروب الأهلية: تاريخ أفكار” ويقع في 360 صفحة من منشورات ينغوين راندم هاوس وهو يقسمه إلى ثلاثة أقسام خصص الجزء الأول منها لزمن ظهور المصطلح والسياقات التي رافقته في الفترة الممتدة بين القرن الأول قبل الميلاد والخامس بعد الميلاد في روما. وخصص الجزء الثاني للفترة الممتدة بين نهايات القرنين السابع عشر والثامن عشر عندما بدأت أفكار ثورية تنتشر في كل مكان تقريبا. ثم آخيرا الفترة الحديثة التي تشهد ازدهارا في أنواع الحروب والصراعات الداخلية لمختلف أنواع الأسباب والسياقات.
البداية في روما
من المؤكد أن مناطق مختلفة من العالم مرت بفترات صراعات أهلية وداخلية غير أن روما كانت أول من صاغ هذا المصطلح لتسمية حروب واسعة النطاق اضطرت الحكومة المركزية إلى خوضها مع مواطنين رومانيين في مناطق خارج العاصمة. ويعتقد الكاتب أن المصطلح ظهر لأن الأمبراطورية الرومانية هي التي أسست فكرة المواطنة والانتماء إلى بلد ما. ويذكر أنه كان من المتعارف عليه في روما عدم الاحتفاء بالنصر عند دحر متمردين وذلك لسببين أولهما أن المدحورين مواطنون من الدولة نفسها وبالتالي يجب إظهار شيء من الاحترام لهم وثانيا فسح المجال لمصالحة محتملة معهم في المستقبل. وقد ترك لنا شعراء ومؤرخون رومان العديد من الكتابات عن هذه الحروب ومغزاها وآثارها واتفقوا على أنها خطرة ومدمرة ولكن أهم ملامحها هو أنها تتكرر على الدوام.
قبل قرنين
في هذه الحقبة اتخذ مصطلح حرب أهلية معاني أخرى لاسيما مع انتشار الأفكار الثورية في أوروبا وأماكن أخرى. ويعرف الكاتب مفهوم الثورة باعتباره وسيلة لتغيير الماضي وصنع مستقبل آخر. وبينما من السهل حشد الجموع للوقوف في وجه تمرد داخلي أو مواجهة عصيان نجد الأفكار الثورية في تلك الفترة تنتشر بسرعة انتشار النار في الهشيم باسم قيم إنسانية وبشرية وحتى دولية في أغلب الأحيان. ويعود الكاتب بالقارئ إلى الحرب الأهلية الأمريكية في أواسط القرن التاسع عشر والتي كادت أن تمنع تشكل البلاد التي نعرفها اليوم ويلاحظ أن الرئيس الأميركي إبراهام لنكولن كان يستخدم مصطلح “حرب أهلية” عند حديثه عن تمرد الجنوب ورفضه الخضوع لقوانين العاصمة ويفسر ذلك بكونه مؤشرا على إصرار لنكولن على اعتبار كامل التراب الأمريكي بلدا واحدا غير قابل للتجزئة والتقسيم. ويرى الباحث أن هذه الحرب هي التي شهدت بداية محاولة وضع قوانين واضحة لمعنى حرب أهلية وتمييزها عن بقية الحروب.
ويلاحظ آرميتاج أن من يطلق تسمية حرب أهلية على صراع داخلي هو الجانب المنتصر في العادة. فمثلا لو انتصر الجنوب الأمريكي في حربه ضد الشمال لتذكر الناس تلك الفترة بأنها “حرب استقلال الجنوب” أو “ثورة الجنوب” بل هناك البعض ممن يطلق عليها اسم “حرب عدوان الشمال على الجنوب”.
وينطبق الأمر نفسه على حروب أخرى وقعت في روسيا وانتهت في 1917 وفي الصين بعد 1949 وانتهت بحمل تسمية أخرى حيث اعتبرها المنتصرون ثورة خاصة وأن هذه الكلمة لها معان إيجابية أكثر من تسمية حرب أهلية.
الحروب الحديثة
ويهتم الكاتب بحروب العقود الأخيرة التي صنعت دولا ودمرت أخرى غير أنه يرجع جذورها إلى بروز امبراطوريات وسقوطها في القرن العشرين مثل سقوط الأمبراطورية النمساوية والعثمانية وبعدها السوفيتية وقد ساهمت كلها في خلق مشاكل عديدة في أوروبا الشرقية. أضف إلى ذلك أن الدول الكبرى التي نجحت في السيطرة على مساحات واسعة من آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط ابتداءا من القرن التاسع عشر تقريبا وحتى منتصف القرن العشرين فرضت حدودا جديدة في أماكن مختلفة وجمعت بين أقوام لا يتفاهمون وفرقت بين شعوب مشتركة وبطريقة لا بد وأن تؤدي إلى إثارة مشاكل فيما بعد.
أفكار مهمة
يتضمن كتاب آرميتاج العديد من الأفكار والمعلومات المهمة عن مسار مفهوم الحرب الأهلية عبر القرون ومنها ما يتعلق بتأثيرها على المجتمعات مقارنة بالحروب التقليدية التي تدور بين جيوش. ذلك أن الحرب التقليدية بين الرجال تدور في أماكن محددة خارج أماكن تواجد النساء والأطفال والشيوخ والمعوقين عكسا للحرب الأهلية وهو ما يجعل الأخيرة تمثل كارثة حقيقية على المجتمعات بشكل عام.
يجري الكاتب مقارنات أيضا بين مختلف تسميات الحرب الأهلية وفقا للطرف الذي يطلق التسمية والمكان الذي يقف فيه ذلك أن هذا النوع من الحروب له تسميات عديدة منها تمرد ومنها انتفاضة ومنها عصيان ومنها حتى ثورة.
http://www.popmatters.com/review/civil-wars-a-history-in-ideas-david-armitage/

اترك تعليق