رحلة عبد الكلام ..الرئيس الفيلسوف

0
51

تتطلّب الحرفة  الروائية بالضرورة تدقيقاً متواصلاً في طبيعة الشخصية الإنسانية التي  تُعدُّ عموداً أساسياً تستند إليها أية كتابة روائية بصرف النظر عن التجنيس  الروائي السائد، وحتى لو كانت الرواية تنتمي لما يسمى (رواية الأفكار)  فليس ثمة أفكار تأتي بمعزل عن العقول المنتجة أو المتلقّية لتلك الأفكار؛  إذ تبقى الشخصية الإنسانية عنصراً حاسماً في جميع الحقول الإبداعية،

 

ومن الطبيعي أن ينسحب الإهتمام بالشخصية الإنسانية إلى دراستها من قبل المهتمين في مختلف حقول إختصاصاتهم، وبالنسبة لي فقد عملت منذ بداياتي المبكرة في الكتابة الروائية على إتباع منهج في القراءات المكثفة لعلم نفس الشخصية الإنسانية، وثمة نمط فريد في تلك الشخصية إستهواني منذ البدء وعكفت على تتبّع آثاره بين الشخصيات التي أعرفها أو سمعت بها سواء في محيطي الفردي أو ضمن المحيط العالمي الواسع. يتمحور نمط الشخصية التي أعنيها هنا في فرد يحمل منذ صغره أهدافاً ملحمية عظمى ويرى ذاته جديرة بإنجازها (أو المساهمة في إنجازها ضمن فريق عمل) ولايقنع بأن يمضي بحياته وهو يمتهن مهنة متداولة حتى لو كانت في عداد المهن المرموقة التي تدرّ الكثير من المال، والمثير في هذه الشخصية أنها غالبا ماتكون ذات نوازع عرفانية وتعيش عيشة الكفاف وترى سعادتها متحققة في البذل والعطاء اللذين يرتقيان بأحوال الناس على الصعيد الجمعي, لا الفردي حسب، وقد وقع بين يدي منذ عشر سنوات خلت، كتاب باللغة الإنكليزية؛ كان الكتاب بعنوان (أجنحة من نار Wings of Fire) لمؤلّف هندي يدعى (زين العابدين عبد الكلام) وعرفت بعدها أن الرجل هو الرئيس الهندي وقد ألّف ذلك الكتاب قبل توليه الرئاسة الهندية. مضيت في قراءة الكتاب بشغف وعرفت منذ الصفحات الأولى منه أنني إزاء شخصية من ذلك النمط الذي أشرت اليه: شخصية إيثارية ذات طموحات ملحمية عملاقة أنجزت الكثير للأمة الهندية وبخاصة في المجال الصاروخي والنووي والانساني،مع امتلاك الرجل لرؤية مستقبلية طموحة للأمة الهندية جمعاء.
نشر عبد الكلام سيرته الذاتية المعنونة (أجنحة من نار) عام 1999، ونُشرت طبعتها الحادية عشرة عام 2002، وقد ظهرت مترجمة إلى العربية ضمن مشروع (كلمة) للترجمة عام 2009. يمكن عدّ السيرة الذاتية هذه نوعاً من سيرة تقنية ومعرفية؛ إذ تناول عبد الكلام في سيرته هذه مسيرته المتصاعدة والشجاعة في أطوار أربعة قسّم بها حياته وإبتدأ الطور الأخير فيها عام 1991 وتُرِك مفتوح النهايات في إشارة واضحة إلى الآفاق البعيدة التي تمتدّ إليها تطلعاته. بعد أن أصبح عبد الكلام رئيساً للهند في الفترة 2002-2007  وّثّق التحديات المهمة التي جابهت رئاسته في كتاب بعنوان (إنعطافات: رحلة بين التحديات) نُشِر عام 2012 ويعدّ سيرة ذاتية رئاسية وإن تخللتها الكثير من الرؤى والإستبصارات التقنية التي أراد عبد الكلام رؤيتها متحققة في الأمة الهندية ولكنها تظل رؤى محكومة بالإعتبارات الحكومية البيروقراطية التي خبرها عبد الكلام خلال رئاسته.
نشر عبد الكلام مذكراته الموسومة (رحلتي: تحويل الأحلام إلى أفعال) في كتاب صغير عام 2013، ويمكن النظر إلى هذا الكتاب،  المذكرات على أنه إستذكارات جميلة لتفاصيل صغيرة لم يأتِ عبد الكلام على ذكرها في سيرته الذاتية المنشورة في الكتابين السابقين، وثمة القليل من الإستذكارات والحوادث في هذه المذكرات أشار لها الرجل في سيرته ولكن في سياق تقريري يذكّر بالوقائع، أما في هذه المذكرات فإن القارئ يستشعر منذ البداية العاطفة الجياشة التي تفعم روح الكاتب وتفيض من عقله وهو يأتي على ذكر تفاصيل انسانية شفيفة وملهمة ساهمت في تشكيل وعيه المبكر وشخصيته الإيثارية ذات الطموحات الملحمية العابرة للذات والساعية لتكريس الهند كقوة عظمى على الساحة العالمية.
تمتاز هذه المذكرات بغلبة الطابع الحميمي فيها وتركيزها على الجوانب الإنسانية النبيلة التي تعدّ ضرورة لازمة تفرضها متطلبات العيش وإدامة الحياة في البيئات الفقيرة، ويتحسس المرء أثناء قراءة هذه المذكرات برغبة عبد الكلام في تأكيد القيمة العليا للجوانب الإيثارية الرائعة التي حازها شخوص كُثر في حياته بدءً من أبيه وأمه وأخته وإبن عمه وحتى بائع الكتب في مدراس وإنتهاءً بالعلماء الكبار الذين عمل معهم في وقت لاحق من حياته المهنية، وأحسب بحقّ أن أمثال هذه المذكّرات تعدّ وثائق أنثروبولوجية ومجتمعية ميدانية تضيف لعدّة الباحث والمتطلّع لفهم طبيعة العلاقات السائدة في المجتمعات الفقيرة تلك العلاقات المتّسمة بالتعاضد العضوي الذي لانشهد له مثيلاً في البيئات الثرية التنافسية، وربما يكون هذا هو السبب الذي جعل البيئات غير الثرية (والهند من بينها) قادرة على إنجاز أعاجيب تقنية بكُلَف بسيطة لاتقارن مع كلف مثيلاتها في البيئات الغنية؛ إذ أن العلماء والمطوّرين الذين نشأوا في بيئات فقيرة يميلون في العادة إلى الإستخدام الأمثل للموارد وإنتاج مُصنّعات ذات كلف تقع في نطاق قدرة الأغلبية على حيازتها، ويمكننا في هذا الميدان أن نذكر التطوير التقني الخاص بتصنيع الدعامة القلبية بكلفة رخيصة نسبياً والذي ساهم فيه عبد الكلام، كما لايمكن إغفال رغبته العنيدة في تصنيع حاسوب لوحي يخدم طلبة المدارس بخاصة ولاتتعدى كلفته بضع دولارات. يكاد المرء يشعر وهو يتفحص الكلمات الحميمة التي كتب بها عبد الكلام مذكراته هذه بأنه يريد تثبيت الحقيقة التالية أمام الجميع: من الطبيعي أن يبتهج المرء بإنجازاته العلمية والتقنية الباهرة، وقد يحصل على أعلى المراتب الأكاديمية والجوائز التي قد ترقى لمرتبة جائزة نوبل، وقد تنهال عليه الأموال كنتيجة لأعماله البحثية أو التطويرية في حقل ما، ولكن تبقى سمات الإيثارية وكرم الروح والعطاء والإنتباه لمعاناة الآخرين ونبذ روح الجشع هي القيم العليا التي تمثّل مشكاة مضيئة وإلهاماً مستديماً للكائنات البشرية جميعها في هذه الحياة.
جذبني هذا الكتاب بقوة خارقة منذ صفحاته الأولى، وبالإضافة لتوقي الشديد في قراءة السير الشخصية والمذكرات التي تسهب في الإشارة إلى المخفي وغير المحكيّ عنه فثمة سبب إضافي دفعني لترجمة هذا الكتاب. تمدّنا نظريات التنمية الحديثة بوسائل وأساليب ونماذج معيارية قياسية صارمة لتحقيق الإرتقاء الإقتصادي والتطور التقني، ولكن هذه النظريات لاتأتي في العادة على ذكر (الرمزية) التي تمثّلها بعض الشخصيات المؤثرة والتي يمكن لها أن تدفع بالتطور التقني أشواطاً إلى الأمام، وربما يكمن السبب وراء هذا الأمر أن نظريات التنمية المعيارية تتحدث عن بيئات مؤسساتية شائعة في العالم الغربي الذي لم تعد تشغل الرمزية فيه أي حيّز في الإهتمامات الفردية؛ في حين أن الأمر يختلف مع البيئات المشرقية التي لاتزال الرمزية الشخصية تلعب فيها دوراً مؤثراً، وهنا لابدّ من التذكير أن هذه الرمزية عامل بنّاء ودافع للتنمية على الصعيدين الفردي والمجتمعي متى ماإمتلكت الشخصية الرمزية سمات إيثارية وحازت على قدرات علمية وتقنية بارعة ومتقدمة تحصّلت عليها بالجهد والكدّ والتعب والمجالدة بعيداً عن الرمزيات الدينية أو العائلية او السياسية المعلّبة التي أبتلي بها العالم الثالث (ونحن جزء متأصل فيه بالطبع). يقول عبد الكلام في سياق إجابته عن سؤال يختص بوصاياه للشباب: ينبغي إحلال الروحية القائمة على مبدأ (ماالذي يمكنني منحه) محلّ الروحية القائمة على (ماالذي يمكنني إقتناصه)، وأرى أن هذه الرؤية الإيثارية الراقية هي التي تتغلغل في ثنايا تفاصيل هذه المذكرات؛ ومن ثمّ كانت السبب الذي دفعني لترجمة هذا الكتاب ووضعه بين أيدي القرّاء الكرام.
ثمة ملمح أساسي لايمكن أن يخفى على قارئ هذا الكتاب: يستشعر عبد الكلام في دواخله نوعاً من المصالحة الطبيعية غير القسرية بين العلم والنوازع الروحانية، ويرى في التناقض المزعوم بين العالمين تأكيداً للمادية المتطرفة، وتتأسّس نظرة عبد الكلام على قناعته الفلسفية المبكرة التي يجملها بقوله: لم يكن بوسعي القبول بأنّ مدركاتنا الحسية هي المصدر الأوحد لبلوغ المعرفة والحقيقة، ثم يمضي في توضيح فكرته قائلاً: وقد نشأتُ مع درس أساسي يقول أن الواقع الحقيقي يكمن في مكان ما بعيداً عن العالم المادي الذي نراه ونتعامل معه في مملكة العالم الروحانيّ، وأن المعرفة الحقيقية تكمن في إستكشاف أغوار الذات الجوّانية، أمّا خلال دراستي العليا فقد أصبحت وعلى نحو تدريجيّ جزء من عالم آخر يقوم على البراهين والتجارب والصياغات الرياضياتية المحكمة، ولكن شيئاً فشيئاً تعلّمتُ كيف أتبيّن موضع قدمي وسط ذينك العالمين على الرغم من أنّ جهدي الفائق إستلزم سنوات عدّة لكي يتبلور في حالة راسخة، وهنا نتبيّن بوضوح كامل أن التعارض بين عالمَيْ العلم والروحانيات ليس سوى تعارض كيفي يمكن إزاحته بالجهد الذاتي الخالص للمرء بعيداً عن المواضعات التبسيطية السائدة التي ترمي إلى تكريس الجهل والفاقة وربط العلم بالمعرفة الدينية المتكلسة وجعل الروحانية فضاء جمعياً تسوده الكهنوتية المستحدثة المتشددة، في حين أن الروحانية التي يحكي عنها عبد الكلام في ثنايا كتابه هذا هي نوع من الإستكشاف الذاتي الشفّاف والعميق والصبور والأقرب إلى السياحة في العوالم العرفانية الرقيقة المفعمة بالكياسة والتسامح ورقة الشعور والعواطف الإنسانية الغامرة، ومن جانب آخر يكاد يكون أمراً بديهياً أن نلمح في روحانية عبد الكلام إنشداداً إلى الجذور الدينية المشرقية بكل تلاوينها وهي مايمثّل ملمحاً مختلفاً عمّا نطالعه في أغلب الأدبيات الغربية المختصة بالمذكرات والسيرة الذاتية والتي تطفح بالأنوية الجامحة والتفاصيل الحياتية الغارقة في الحسية والجموح العاطفي.
يختصر عبد الكلام رؤيته للحياة في هذه الكلمات التي جاءت في المقطع الختامي لكتابه، وأرى فيها نصاً مدهشاً مكتوباً بكياسة وسموّ روح رفيعة تليق بشخصية نزيهة مثل عبد الكلام:
العمل الدؤوب والتقوى، الإنكباب على الدراسة والتعلّم، التعاطف والمغفرة هذه كانت دوماً أحجار الزاوية في حياتي، وقد أمكنني من خلال هذا العمل مشاركة الناس بجذور إيماني بهذه القيم النبيلة، وأحسب في حقيقة الأمر أن أية حياة عاشها المرء على نحو بالغ الثراء والإمتلاء وتحدّث بشأن ثرائها وامتلائها مع الآخرين فإنها ستغدو منجماً من الأفكار والمشاعر التي بوسعها إضافة المزيد من البريق على تلك الأعجوبة التي ندعوها (الحياة). وفي سياق هذه العملية، إذا ماأتيحت لأفكاري القدرة على منح القرّاء أجنحة تمكّنهم من التحليق بعيداً وتحقيق أحلامهم فأحسبني حينذاك قد أتممت النهوض بأعباء دوري الصغير في مخطط الحياة والذي حمّلني إياه القدر ووضع أعباءه على كاهلي.
توفي الرئيس الهندي الأسبق زين العابدين عبد الكلام في 27 تموز 2015 وغاب عن دنيانا ذلك الرجل الشاعر الزاهد عاشق الهند الذي أعجبتُ أيما إعجاب بشخصيته النزيهة ومكانته العلمية في الهند والعالم، ودفعني إعجابي هذا إلى قراءة مصادر متعددة عنه، وليست ترجمتي لكتاب مذكراته هذا من باب الرثاء؛ فالخالدون لا يموتون، بل أرى في عملي تلويحة وداع لهذه الشخصية الفريدة ومواقفها المميزة. ليس كافياً أن نعرف الكثير عن الأدباء والفنانين والمخرجين بل لا بد أن نعلم المزيد عن رجال عصرنا المرموقين من صُنّاع الأمل ورعاة المستقبل ومطوّري التقنية، وكم تمنيت أن يكون لدينا قادة من طراز عبد الكلام يديرون أمور البلاد بحنكة وحكمة ويتمتعون بهذا القدر من الثقافة والرّفعة والنزاهة والإنتماء للوطن وحده دون سواه ويخطّطون لمستقبل أفضل مدعوم بالمعرفة والتقدم العلمي والتقني وسيادة السلام المجتمعي، وأتطلّع إلى أن تسهم ترجمة هذه المذكرات في كسر تابو النمط التقليدي لرؤساء دولِنا وتقديم النموذج المغاير لهم تماماً: أن يكون الرئيس شاعراً أو مهندس فضاء عالمياً أو كاتباً أو عالماً فيزيائياً، الخ وليس سياسياً تقليدياً فحسب.

لطفية الدليمي
مقدّمة الكتاب

تحكي رحلتي هذه عن تجارب مميزة ومحدّدة في حياتي إبتداءً من طفولتي وحتى اليوم حيث تجاوزتُ الثمانين، وفي كل سنوات حياتي تلك وخلال كلّ التجارب التي مررْتُ فيها كان الدرس الأكثر أهمية الذي تعلّمتهُ هو أن المرء ينبغي أن يواصل الحلم في كل الأطوار المختلفة من حياته ومن ثمّ يعمل بجدية ومثابرة في سبيل تحقيق تلك الأحلام، ونحن إذا مافعلنا هذا فإن النجاح سيكون قريباً من التحقق لامحالة. أقول دوماً للكثيرين الذين أقابلهم (الأحلام ليست مانراه في منامنا، بل هي بالضبط ماينبغي أن يجعلنا لاننام أبداً!!).
جاءتني فكرة كتابة هذا الكتاب أحد الأيام وأنا أتمشّى في حديقة منزلي، ومثلما يحصل في كل مرّة وقفت تحت شجرة الأرجونا  Arjuna الضخمة التي يقارب عمرها المائة من السنوات ومضيْتُ أتأمّل فروعها العلوية البعيدة وأتفحص فيما لو كان ثمة أعشاش جديدة بنتها الطيور فيها، أو لو كان ثمة خلايا نحل جديدة قد ظهرت بين فروعها، وبينما كنت أحدّق في أعلى الشجرة الضاربة جذورها عميقاً في أرض هذه المدينة: مدينة دلهي، فإنّ شيئاً ما في تلك البرهة ذكّرني وعلى نحوٍ عظيم الوقع والتأثير بأبي: كان أبي هو الآخر معتاداً على الإستيقاظ المبكّر من النوم وقضاء الساعات المبكرة الأولى من يومه مع الطبيعة وهو يتفحّص أشجار الكاكاو العائدة له ثم يمضي ليذرع طرقات البلدة التي كنا نقيم فيها. إسترجعَتْ ذاكرتي في تلك اللحظة، مع إبتسامة على وجهي وإحساس غامر بالسعادة، طفولتي المبكّرة والناس الذين مرّوا بحياتي وأولئك الذين صافحَتْ يديّ أياديهم في رحلة حياتي الطويلة، ثم مضيتُ أتفكّر ملياً في نوع الرّحلة التي مثّلتْها حياتي: المسالك غير المعتادة التي طرقتُها، الأشياء التي رأيتُها، والحوادث التي كنت جزءً فاعلاً فيها، ثم رحتُ أتساءل هل أنّ تلك الذكريات والتجارب ينبغي أن تبقى لي وحدي أم يتوجّب أن أتشاركها مع قرّائي العديدين إلى جانب أفراد عائلتي الذين بدأت أعدادهم تتزايد أكثر فأكثر مثل الجذور الكثيفة لشجرة بانيان  Banyan، وأتطلّع حقاً أن تبلغ أصداء رحلتي هذه أحفاد أحفادي!
كتبتُ بضعة كتبٍ حتى اليوم، وقد وضعتُ في البعض من تلك الكتب صوراً من تجارب طفولتي: عندما كتبتُ الكتاب الأول عن حياتي (المقصود به هو السيرة الذاتية التي نشرها عبد الكلام عام 1999تحت عنوان أجنحة من نار، المترجمة) تملّكتني الدهشة ومضيْت أتساءل: هل سيكون هذا العمل قادراً على إمتاع أحدٍ ما؟. على خلاف ذلك الكتاب فإن رحلتي هذه تولي إهتماماً أكثر لِلحيثيات الصغيرة للغاية والتي لايعرفها الكثيرون عن حياتي. تعمّدتُ في رحلتي هذه الإسهاب في التفاصيل الخاصة بحياة كلّ من أبي وأمي لأنني حتى اليوم وقد بلغتُ الثانية والثمانين لاأزال أتمثّل القيم والأخلاقيات التي تعهّدا بغرسها في روحي بمحبّة وألفة. إن الصفات التي غرسَها والديّ فيّ والتي تعلّمتها من خلال مراقبة أفعالهما بدقّة إلى جانب فهم ردّات أفعالهما تجاه المحن والشدائد التي واجهَتْهُما، أقول أن تلك الصفات ساعدتني على العيش بطريقة أفضل، ولازال أمي وأبي يعيشان معي حتى اليوم من خلال تلك القيم والأخلاقيات. بعد سنوات لاحقة طويلة لاتزال ذاكرتي تحتفظ بذكرياتها عندما كان والدي يتحدث عن ضرورة تفهّم عقول الناس أو عندما كان يواجه المصاعب برزانة وحصافة، ولازلت أستحضر صدى كلماته أنا الآخر متى ماوجدت نفسي وهي تخوض قتالاً في جبهات عديدة شديدة الوطأة، أما في لمسة أمي الحانية وتربيتها الرقيقة المترفقة لأولادها فقد وجدت فيها عالماً رحباً من الحب والحنان. وجدتُ نفسي في رحلتي هذه مدفوعاً أيضاً لتسجيل التفاصيل الصغيرة الخاصة بكلّ من مساهمات أختي زوهرا Zohra وكرم روحها اللامحدود، والنظرة المتفتحة الرحبة التي كان يحوزها معلّمي الناصح الأول في حياتي: أحمد جلال الدين الذي كان أول من شجّعني على التفكير بحرية والإستزادة اللامحدودة من الدراسة. ثمة الكثير من البرهات المحبِطة والمِحَن الشاقة التي خبرتُها في حياتي، مثل فشلي في الإختبارات وبالتالي التأهل للإنضمام إلى القوة الجوية الهندية، وسواها من برهات الفشل، ولكنّها كلها علّمتني ضرورة وجود الإخفاقات في حياة المرء. نعم، بدت تلك الأوقات العصيبة عصية على التجاوز في وقتها، ولكن الحقّ أن ليس ثمة من صعوبةٍ ما عصية على التجاوز متى ماإمتلك المرء العزيمة والثبات في قلبه.
كنت مؤخراً أتمشى مع صديقي البروفسور آرون تيواري Arun Tiwari عندما باغتني بسؤال غير متوقع: (صاحبي عبد الكلام، هل تستطيع أن تُجمِل حياتك العريضة بجملة واحدة؟). جعلني هذا السؤال أفكّر لبرهة ثم قلت في نهاية الأمر: “صديقي آرون، إن حياتي يمكن تلخيصها بالعبارات والكلمات التالية: الحبّ المصبوب صبّاً على الطفل… الكفاح… المزيد من الكفاح… دموع تطفح حزناً ومرارة… ثم دموع الفرح والبهجة… ثم أخيراً حياة تطفح بالجمال والإنجاز مثل رؤية ولادة بدر كامل”.
يراودني أمل عريض بأن حكاياتي في رحلتي هذه ستساعد قرّائي على فهم أحلامهم وستدفعهم للعمل على تحقيق تلك الأحلام وذاك هو الأمر الذي من شأنه أن يبقيهم يقظي البصيرة.

أي. بي. جَيْ. عبد الكلام

اترك تعليق