أوآن الرحـيل ..

0
42

عامرابراهيم

بتبني المرء لفكرة ما , ثم المبادرة الى دعوة الناس للاقتناع بها وتأييدها , يكون قد أختار ركوب الصعب لينال ما ينتظره من نصر أو خذلان . ومع بداية دعوته تتشكل حوله هالة البطولة والاقدام والمبادرة , لجرأته ومبادرته لأطلاق الفكرة الحلم . كل تلك الصفات الحميدة تؤهل القائد في حال نجاح فكرته , لتبوء مكانة تفوق مكانته كزعيم عشائري او نقابي او سياسي , ليصبح في عقول الناس زعيماً قومياً او أممياً , ينال شرف الخلود على مر الاجيال .
يقابل هذا المجد العريض مسؤولية جمة لابد أن يكون القائد قادرا على تحملها في حال فشله في تحقيق الهدف او الفكرة التي خطفت الباب الناس , ولا مفر عندها من أعلانه تحمل المسؤولية كاملة , أحتراما لذاته اولا ولجماهيره ثانياً .
أن اقناع الجماهير وتحشيدها وتعبئتها من مستقبل للفكرة الى مدافع عنها ثم الى مقاتل في سبيلها , ينطوي على قدر كبير من الصدق والتجرد يفترض توفره في القائد , أن أهتز أيمان الناس فلن يهتز أيمانه هو , لكنه لابد أن يكون مستعدا للمجازفة بمصيره هو لا مصير من آمن به , بل أنه من المروءة والايثار أن يتصرف القائد كقدوة لجماهيره وشعبه , فيكون آخر المستفيدين و أول المضحين . اذ أن الاستقالة تعني أنه أمين على فكرته وصادق في دعوته للناس للاقتناع بها , وانه هو لا شعبه , من يتحمل سوء التقدير الذي رافق خطوات تحقيق هدفه , لذلك فالاستقالة تحفظ هيبته وصدقه وكرامته وتجرده عن أية مغريات أخرى تدفعه للبقاء متقدما الصفوف وملهما الجماهير لهدف جديد بعد أن خذلهم في تحقيق هدفهم الاول .
التأريخ السياسي الحديث فيه من الامثلة الكثيرة على صواب السلوك السوي المتمثل بتحمل المسؤولية عند الفشل بذات القدر من تحملها عند النجاح , اذ يروي لنا محاولات قادةً ملهمين لشعوبهم بادروا الى التخلي عن ريادة الصفوف ليكسبوا حب وتعاطف واحترام شعوبهم .
جاك باريزو , أصبح رئيساً لوزراء مقاطعة كيبك الكندية في ايلول عام 1994 , ليبدأ بعدها بسنة مشواره في الدعوة لتنظيم استفتاء حول انفصال المقاطعة عن الاتحاد الكنديّ , التي يتميز سكانها بخصوصية ثقافية فرنسية اذ يتحدث القسم الأكبر منهم اللغة الفرنسية (80%) , وتعود النزعة الانفصالية في كيبيك إلى جذور تأريخ كندا التي أسسها الفرنسيون والانكليز والى معركة (سهول ابراهام) التي جرت بين القوّات البريطانيّة والفرنسيّة في مدينة كيبيك في العام 1759.
هنا يفعل أستحضار التأريخ فعله بين الجماهير , أذ تصاعدت المشاعر القومية ودعوات السيادة حتى كادت أن تتمكن من أنتزاع الانفصال لولا فارق بسيط في الساعة ألاخيرة من الاستفتاء لتكون النتيجة النهائية , 50.6 ٪ (لا) مقابل 49.4 ٪ (نعم) . بفارق 50 ألف صوت فقط . أصيبت الجماهير بالصدمة والاحباط , حينها كان (جاك باريزو ) جاهزاً لتحمل المسؤولية كاملة , فبادر في اليوم التالي الى تقديم استقالته كرئيس لحكومة كيبيك وزعيما للحزب الكيبيكي , واعتزل العمل السياسي حتى وفاته بعد عشر سنوات ليكرم كزعيم قومي كسب أحترام وتقدير شعبه والعالم بأسره .
مثال آخر هو (اليكس ساموند) رئيس وزراء اسكتلندا وزعيم الحزب الوطني ألاسكتلندي , في عام 2014 راودته فكرة أنفصال أسكتلندا عن المملكة المتحدة , فبدأ بتعبئة جماهير حزبه ثم شعب اسكتلندا بأكمله , مرغباً اياهم بالانفصال ومروجاً لفوائد ذلك الانفصال الذي سيتبعه أستقلال كامل , فنجح في الدعوة الى تنظيم استفتاء شعبي تأريخي أسهم في أذكاء المشاعر الوطنية لسكان اسكتلندا الذين كانوا تواقين لتكوين هوية سياسية جديدة , هنا أيضاً كان لابد من أستحضار التأريخ , أذ عمد (ساموند) الى الدعوة للاستفتاء في عام 2014 تزامناً مع الذكرى الـ700 لمعركة (بانوكبيرن) , وهي المعركة التي انتصر فيها الاسكتلنديون على الإنجليز، وبنتيجتها انفصلت اسكتلندا عن إنجلترا. بثورة قادها (ويليام والاس) الذي ثار على الملك الانكليزي (أدوارد الاول) في سنة (1297) للميلاد , داعيا الى استقلال اسكتلندا لتنتهي محاولته النبيلة بالفشل الذي كلفه رأسه ( تم تجسيد الاحداث في فلم القلب الشجاع ) . صحيح أن أستحضار التأريخ أنعش ألامل و داعب مشاعر الحالمين , لكنه أمل محفوف بالمخاطر , فقد رجحت في النهاية كفة الواقعيين الذين فضلوا البقاء في كنف بريطانيا العظمى تدفع عنهم ديونهم وتتكفل بالبحث عن فرص عمل لابنائهم , فكان أن تفوق المعارضون للانفصال و أجهضت المحاولة , تبخر الحلم وأنطفأ الامل في قلوب أتباع (اليكس ساموند) , فما كان من الرجل ألا أن يتحمل المسؤولية كاملة ويعتذر لجماهيره وينسحب بعيدا عن العمل السياسي باستقالته من منصبه كرئيس لوزراء اسكتلندا, بل رفض أيضاً الترشيح لرئاسة الحزب لدورة ثانية .
نتيجة الاستفتاء في اسكتلندا مثلت فشلا لدعاة الانفصال وقائد حملتهم (ساموند) , وانتصارا في ذات الوقت لدعاة البقاء مع بريطانيا ونجاحاً لافتاً لرئيس وزرائها (ديفيد كاميرون) , الذي أستطاع الفوز بولاية ثانية وتشكيله حكومة من المحافظين , الذين كانوا قد تعهدوالجماهيرهم قبل الانتخابات بالدعوة الى استفتاء حول بقاء أو مغادرة بريطانيا من الاتحاد الاوربي , أحترم (كاميرون) التعهد وتقدم بطلب الاستفتاء في 2016 رغم أنه كان من اشد المؤيدين لبقاء بريطانيا في الاتحاد الاوربي , لكن النتيجة أتت صادمة ومفاجئة , أذ رجحت كفة المؤيدين لمغادرة الاتحاد الاوربي بنسبة 52% . لم يتردد (كاميرون) في أعلان استقالته من رئاسة الوزراء وحزبه , فغادر العمل السياسي برمته رغم أنه كان من أنجح السياسيين الشباب في بريطانيا .
أستذكار هذه الامثلة يدفعنا للتساؤل عن جدوى بقاء السيد البارزاني في موقعه القيادي رغم فشل مشروعه الكبير الذي حشد الناس على تأييده والايمان به , اذ بغض النظر عن النوايا الحقيقية وراء الدعوة لاستفتاء الانفصال عن العراق , كان البارزاني يوحي لجماهيره أنه قد درس خطواته جيدا , وأنه أعد العدة لكل طاريء , حتى خفتت اصوات المعارضين والمشككين أمام الروح القومية التي تصاعدت مع أقتراب العد التنازلي ليوم الاستفتاء , وصولا الى صباح يوم 25 أيلول 2017 , الذي شهد مشاركة الجميع بأنضمام قادة الاحزاب المعارضة الذين لم يجرأوا على مقاومة هذا النهر المتدفق من العواطف القومية الجياشة التي ترنوا لحلم الدولة الكردية , مشاعر يعود الفضل في تأجيجها الى رجل وعد بتحمل المسؤولية كاملة وقررالمضي قدماً في اجراء الاستفتاء دون الالتفات الى خطورة ذلك سياسياً و أمنياً وأجتماعياً , ولعل ذروة اللحظات التي شكلت علامة فارقة في اللاعودة عن قرار الاستفتاء , تلك اللحظة التي أعتلى فيها (البارزاني) منصة الخطابة في ملعب (فرانسوا حريري) بأربيل أمام أمام أمواج بشرية هادرة بالشعارات والموسيقى والالوان الكردية الزاهية, لوحة حجبت من أمام عينيه أي حقيقة عن مخاطر خطوته , لحظة تمكنت فيها العاطفة من التغلب على صوت العقل والحكمة , فكان أن أندفع البارزاني بعدها بتصريحات تمزج بين التحدي والغرور والمغالاة , حتى سولت له نفسه أو مستشاريه , أن لا أحد سيمكنه الوقوف بوجه ارادة الشعب بالانفصال , حتى لو كان من بين المعترضين جميع حلفائه الدوليين فضلا عن جيرانه .
حدث ماحدث , وأتت الخسارة من ثغرة لم يلحظها , أو أنه تجاهلها في لجة المد القومي واصوات الطبول والدبكات الكردية , بيوم واحد تحول الحلم الى كابوس , أنطفأ الامل وعقدت الدهشة السنة الكرد وأعينهم مسمرة امام الشاشات تراقب مشاهد ستظل تنكأ الجرح الكردي لسنوات ( مشهد دخول القوات الحكومية لكركوك , مشهد بكاء ضباط البيشمركة و مشهد تسونامي فرار العوائل بسياراتهم باتجاه السليمانية وأربيل ).
لحظة الفشل تلك , لابد لفارسها أن يتحمل المسؤولية لا أن يتوارى , كان عليه أن يفضل مصالح شعبه على نفسه , أن يبادر لأعلان أعتزاله السياسة , حباً بأهله وحرصاً على تجنب تحميلهم مالاطاقة لهم به , أذ بدلا من محاولته الحفاظ على بقائه السياسي , كان حرياً به الاسراع الى تقليل الخسائر الناجمة عن هذا الفشل , لاتجدي المماطلة ولا الادعاءات الفارغة ,لاتجدي دعوات التظاهر وحرق الاعلام العراقية في السفارات , لايجدي (التعليق ولا التجميد) , بل كان ألاجدى له أن لايتخذ قرار تجميد الاستفتاء , لآنه يشكل أهانة لشعبه الذي خرج عن بكرة ابيه للتصويت, كان ألاجدى تلافي كل ذلك بتحمل المسؤولية كاملة و مواجهة الفشل بكرامة , بالخروج مرفوع الرأس أمام نفسه وامام شعبه , فالاعتزال يحفظ له كرامته , ويبقي أحترامه في نفوس محبيه ومعارضيه , ويبقيه في ذاكرتهم زعيماً قومياً حاول ولم ينجح , كما فعل (باريزو كيبك) و (ساموند أسكتلندا) و (كاميرون بريطانيا) وغيرهم من القادة الذين حشدوا جماهيرهم وتقدموا الصفوف, لكنهم لم يترددوا في الاعتذار لهم عند الفشل , فآثروا الابتعاد وغادروا مواقعهم لكنهم لم يغادروا قلوب جماهيرهم .

اترك تعليق