المثلث الذهبي

0
33

عامرابراهيم

بعد أسبوع من التطورات الايجابية السلسة في تفادي الصدام والخسائر بالارواح في الجانبين الاتحادي والكردي (رغم بعض الاستثناءات في بعض الجبهات) بدا كل شيء يسير نحو الحل وصولا لاعلان البارزاني عدم قبوله تمديد فترة رئاسته , بعد كل ذلك , ها هو خطر المواجهة يلوح من جديد , بعد أن توقفت اللقاءات بين الطرفين , وتخلت حكومة الاقليم عن موافقتها على سحب قواتها الى حدود ٢٠٠٣ . ولعل عقدة الاتفاق تركزت في العقدة الرابطة بين حدود العراق و تركيا و سوريا , بعد لبس وارتباك وغموض في حقيقة الاتفاق على تسليم معبر ابراهيم الخليل و موافقة أربيل على سحب قواتها من منطقة فيشخابور .

المراقب لتطور الاحداث وسيرها , يجد أن موقف أربيل في الايام التي تلت أجراء الاستفتاء , لم يختلف كثيراً عن موقف السليمانية أزاء الموافقة على أعادة أنتشار القوات الاتحادية وشروعها بالسيطرة على المناطق المختلف عليها , تمثل ذلك في أنسحاب البيشمركة من بعض المناطق دون قتال كما جرى في ألتون كوبري و ربيعة و سنجار , بل أن المواجهات المسلحة التي تبعت ذلك كان الطرف الكردي فيها ليس عراقيا , كما في المواجهات في شيراوة على طريق التون كوبريأربيل خيث بادرت قوات حزب الحرية الكردستاني الايراني الى ضرب القوات الاتحادية وتطور القتال لتشارك البيشمركة بأطلاق صواريخ ميلان الالمانية التي اسفرت عن استشهاد مقاتلين اثنين و أعطاب دبابتهم . ثم تصاعدت وتيرة مقاومة بيشمركة (الحزب الديمقراطي) لتقدم القوات العراقية في مخمور (التي دخلها الجيش الاتحادي لاحقاً) و منطقة زمـار وأعالي دجلة التي شهدت اشتباكات قوية أنتهت بأعطاء رئيس الوزراء العراقي مهلة ٢٤ ساعة لاجراء لقاءات (وليس مفاوضات ) كما حرص رئيس الوزراء على تسميتها . ثم جرت اللقاءات بأجواء أيجابية و بدأ أن الامور في طريقها للحل , تزامن ذلك مع ألاتصال الهاتفي لوزير الخارجية الامريكي (تيلرسون) مع البارزاني , و شكّل هذا الاتصال جرعة أمل للبارزاني,لآنه أتى بعد أيام من خيبة أمل سببها (تيلرسون) له , حين زار بغداد و لم يزر أربيل . ذلك الاتصال الهاتفي مع ما أعلن عن مضمونه , ساهم بتغير موقف البارزاني الذي كان محبطاً من (خيانة) أبن صديقه اللدود (الطالباني) , أوحى تيلرسون للبارزاني أن الولايات المتحدة لن تتركه وحيدا بمواجهة (الميليشيات المدعومة أيرانياً) رغم أنه مضى بقراره في الابتعاد عن كرسي رئاسة الاقليم , لان وجوده فيه اصبح عبئاً على البارزاني نفسه ,لانه يذّكره في كل لحظة بسوء تقديره و فشله بمشروع الاستفتاء . أرسل البارزاني رسالة رفضه قبول التمديد لمنصب رئاسة الاقليم الى البرلمان ولم يتصرف كرجل دولة حريص على وحدة شعبه , بل تصرف كزعيم محلي يدافع عن قراراته ونفوذه ومؤيديه , تعزز ذلك بخطابه المتلفز الذي أمتلأ بعبارات التحدي والاصرار على صواب قرار الاستفتاء وتحميل (الخونة) كل ماتبع ذلك من فشل و خذلان الحلفاء لاصدقائهم الكرد , الذين لم يعد لهم صديق سوى الجبل , فيما خلا الخطاب من اي اشارة الى الاعتذار او الاعتراف بالفشل . بل أكثر من ذلك , فقد أضفى الخطاب غموضاً على دور (البارزاني) القادم , حين أشار الى عودته الى صفوف البيشمركة دون توضيح لكيفية ذلك و باية صفة .

brett

الموقف الامريكي الذي كان حيادياً مؤيدياً لخطوات العبادي في بداية الازمة , بدا أقرب الى ( قرصة أذن) منه الى موقف مبدئي , أذ لخصت أربعة تغريدات للسفير (برت ماكغورك) الموقف الامريكي في مرحلة مابعد رئاسة البارزاني . تلك التغريدات تحدثت عن ترحيب امريكي بتنحي البارزاني مع عبارات الاحترام والعرفان لدوره في رئاسة الاقليم و تعمدت التركيز على التعويل على دور القائدين الجديدين للاقليم , نيجرفان البارزاني و قوباد الطالباني ودعمهما حتى موعد اجراء الانتخابات في الاقليم في منتصف العام القادم , وفي ذلك اشارة واضحة , بل أعلان أمريكي بعدم الموافقة على مساعي الحراك السياسي الذي يشهده الاقليم والذي تبلور الى مطلب شعبي بتنحي البارزاني (وهذا حصل) و تشكيل حكومة أنتقالية ( وكان هناك شبه أجماع على أن تكون برئاسة برهم صالح ) يتبعها تشكيل وفد كردي موحد يتولى التفاوض مع بغداد على أهم القضايا العالقة وحلها . تغريدة (ماكغوريك) قطعت الطريق على هذه المساعي وأعلنت موقف الولايات المتحدة المتمسك بدور رئيسي لعائلة البارزاني في قيادة الاقليم لما لها من تأريخ طويل من علاقات الثقة والولاء مع الولايات المتحدة , أكثر من ذلك , أكدت الولايات المتحدة (في تغريدات ماكغوريك) , أن ممثل السليمانية بالنسبة لها , هو قباد الطالباني وليس بافل الطالباني أو ابن عمه لاهور (اللذين لمع نجمهما بعد أعلان رفضهما الانصياع الكامل لرغبات وخطط البارزاني في اجراء الاستفتاء) , بعد أن أعتبرتهما اقرب الى ايران منها , بذلك تكون الولايات المتحدة قد سمت شريكيها في الاقليم للمرحلة القادمة , رغم مايعنيه هذا الاختيار من ترجيح واضح لكفة البارزانيين نظراً لشخصية (قباد) الضعيفة أمام شخصية نيجرفان . الذي هو أيضا لايخلو من منافس أشرس , أتحدث هنا عن (مسرور نجل البارزاني) , اذ لديه كل مقومات الشعور بالحيف , ربما لم يظهرها الان بسبب زحمة الاحداث والمتغيرات , لكنها ستظهر حتماً في المستقبل القريب , اذ ستشكل مباركة الولايات المتحدة لنيجرفان (خليفة للبارزاني) بذرة الشعور بالحيف لدى مسرور .

الصراع المعقد بين ايران والولايات المتحدة الامريكية على أرض العراق تحديداً , يفرض على اللاعبين السياسيين فيه اختيارات صعبة , يتنازعها الرغبة في البقاء من جانب والايفاء بمتطلبات المسؤولية من جانب آخر . العبادي ليس ببعيد عن هذا المنعطف , اذ تحاول الولايات المتحدة جهدها أن تدفع به الى المواجهة مع ايران نيابة عنها , لكنها بالمقابل تحرجه بدعمها لمن أختار مواجهته , فأما الاتفاق مع البارزانيين والتنازل عن حقوق وعد العبادي بأنتزاعها منهم , أو مواجهتهم بقوات أتحادية مدعومة بحشد يجاهر قادته بولائهم لايران . كما أن الولايات المتحدة تدعوه لحل الحشد بأعتباره جيشاً موازياً للجيش النظامي لكنها في حالة البيشمركة تعارض المساس بهم بل هي من تدفع رواتبهم حالياً .

العبادي (البريطاني الجنسية) يميل الى اتباع السياسة الهادئة التي تبتعد عن الصدام والتلويح بالقوة ,بل تحديد الاولويات و (الحفر بأبرة) لفتح الطريق للوصول اليها , فقد فاجأ الكرد بردة فعله وقراراته التي تبعت أجراء الاستفتاء , قرارات ابتعدت عن المواجهة و ركزت على التأثير أقتصادياً , فكان تحديد الهدف منذ اليوم الاول يتمثل بالسيطرة على المنافذ البرية والجوية للاقليم بالتنسيق مع الجارين الكبيرين تركيا و أيران , وبسبب دور السليمانية الايجابي تجاه بغداد و بسبب سعة الحدود المشتركة للعراق مع ايران خارج الاقليم , فقد تركز الصراع لاحقا على المنافذ الحدودية مع تركيا وتحديدا في منطقة أعالي دجلة في فيشخابور وابراهيم الخليل .

المثلث

تركيز العبادي وفريقه الاستشاري على هذه المنطقة ينم عن دهاء (بريطاني) , فتلك المنطقة المحصورة بين المعبر الرسمي في ابراهيم الخليل والحدود السورية , لايتعدى طولها أكثر من عشرة كيلومترات , لكنها تزدحم بعناصر الجيوبولتك التي تهيء لصراع مصالح شديد , مصالح أقتصادية وأمنية وسياسية أطرافها حكومة الاقليم والحكومة الاتحادية وتركيا والولايات المتحدة و التنظيمات الكردية المسلحة في تركيا و سوريا . بالنسبة للحكومة الاتحادية , فأن كثيراً من شرايين الاقتصاد العراقي تمتد على هذه المساحة الضيقة , ففيها معبر ابراهيم الخليل الذي تمر عبره أكثر من ٤ مليارات دولار من التبادلات التجارية العراقية التركية , أضافة الى محطة الضخ الرئيسية للانبوب النفطي العراقي الى ميناء جيهان التركي , تشكل هذه المحطة أهمية نادرة , أذ أنها حيوية لبغداد و أربيل في آن واحد , نظرا لما فرضته الاحداث الامنية والسياسية من تداخل للمصالح النفطية الكردية مع والاتحادية . أذ تعود هذه المحطة الى خطي أنابيب النفط العراقي المصدر من كركوك الى السواحل التركية على البحر المتوسط , لكن تردي الوضع الامني وسيطرة تنظيم الدولة الاسلامية على المنطقة , ثم أستعادتها من قبل البيشمركة , أدى الى استغلالها من قبل حكومة الاقليم لربط خط أنبوب نفطي كردي لتصدير النفط من حقول نفط الاقليم الى ميناء جيهان التركي , واستمر الحال هكذا قرابة ثلاث سنوات دون أن يزود الاقليم حكومة بغداد بالبيانات الخاصة بالعدادات التي تحتويها هذه المحطة , وكانت بغداد تعتمد على الارقام التي يقدمها الاقليم دون أمكانية التحقق من صحتها . لذلك تعتبر سيطرة بغداد على هذه المحطة بمثابة تعطيل لدور انبوب النفط الكردي لانها ستكون في المستقبل القريب مقتصرة على ضخ النفط في الانبوب العراقي الذي يجري تاهيله حالياً , ومايعنيه ذلك من حرمان الاقليم من موارد تقدر بمئات الملايين من الدولارات . أجراء اخر متوقع من بغداد في حال السيطرة على مثلث فيشخابور الحيوي , يتمثل في تنفيذ اتفاق عراقي تركي لانشاء معبر حدودي جديد الى الغرب من معبر ابراهيم الخليل , قريبا من الحدود السورية , عند منطقة اوفاكوي , يسمح بدخول معظم الصادرات التركية الى العراق عبر طريق تلعفر ـ الموصل , ومايعنيه ذلك ايضا من انتعاش اقتصادي للمدينتين المذكورتين على حساب مدن الاقليم . بالاضافة الى هذين العاملين الاقتصاديين الحاسمين المؤثرين في اقتصاد الاقليم , فأن التواجد الاتحادي في هذه المنطقة سيعرقل أو يمنع عمليات تهريب النفط الى سوريا عبر معبر فيشخابور وجسر سيمالكة على نهر دجلة , أضافة الى قطع طريق المقاتلين الكرد الاتراك والسوريين .

تلك العوامل الاقتصادية والامنية والسياسية تجعل من هذا المثلث الذهبي, بؤرة لصراع متجدد قد لا ينتهي بالسيطرة عليه من قبل الحكومة الاتحادية , بل سيكون أيضا عرضة لعمليات التخريب الاقتصادي والاستهداف المسلح .

اترك تعليق