العراق .. إعادة تكوين

0
24

جعفر المظفـر

في البداية لم يكن الأمر على هذه الدرجة من السوء. صحيح أن حركة التمرد أو الثورة الكردية كانت بمثابة حالة من الإستنزاف الإقتصادي والبشري, لكنها لم تكن تشترط طيلة قيامها في سنوات القرن الماضي ان يتم عبورها إلى ضفة تأسيس دولتها المستقلة متلازما أو متأسساً على حالة مٌستبِقة من التقسيم الذي يضع العراق جميعه في مواجهة حتمية التشرذم والتفكك.
لقد مضى الزمن الذي كنا قد غفلنا عن هذه الحقيقة. بعد عقد ونصف من عمر الدولة التي أقامها الإحتلال حدث تغيير أكيد على الخطاب الثقافي السياسي المضاد أو المتحفظ على تطلع الأكراد العراقيين لإقامة دولتهم المستقلة. لم تبقَ هناك مشكلة, حتى أولئك العراقيين الذين كان تحفظهم أو رفضهم قد تأسس على رؤى وطنية غير معادية للحق الكردي, لا على نكران هذا الحق, إنتهوا إلى حقيقة ان نهاية الصداع العراقي صار مرتهنا بخروج المناطق الكردية من جغرافيته. وفي النهاية لم تعد هناك ضرورة لمناقشة حق تشكيل الدولة الكردية من عدمِه, وبغض النظر عن إلإختلاف في أساسيات بناء الموقف فإن الأغلبية كانت قد إنتهت إلى الموقف نفسه, التقدميون والمحافظون, القوميون والماركسيون.
لم تعد هناك مشكلة حقيقية في إقناع العراقيين بإستحالة بقاء الكرد واللاكرد تحت سقف واحد. إن جميع العراقيين, من غير المتفعين من نظام المحاصصة اللعين, باتوا على ثقة أن الحل الأمثل هو أن يمضي كل منهما إلى سبيل.
وفي الحقيقة فإن عدد الذين يؤمنون بوجود أخوة عراقية كردية ظل يتناقص بشكل خطير. وقد يتصدى بعض الأكراد للتأكيد على أن تراجع وتدهور العلاقات الأخوية كان حدث بسبب سوء علاقة الحكم الإتحادي في بغداد مع الإدارة الفدرالية, لكن من السهولة تفنيد هذا الراي من خلال التوقف أمام العديد من الخروقات التي إرتكبتها الإدارات والأحزاب الكردية للخروج بنتيجة نقيضة. وفي الحالتين لم يعد هناك شك بأن بقاء الطرفين تحت سقف واحد بات متعذرا, وإن المبارزة بالأخطاء لم يعد نافعا لأن القضية الكبرى المتعلقة باساسيات بناء الوطن الواحد لم تعد موجودة, وهي هنا متعلقة إلى حد كبير بغياب الثقة وتسيد الخطاب الكردي الإنفصالي وطغيانه على الخطاب الوطني الواحد وسيادة روح الغربة بين الطرفين.
إن من السهولة رؤية الأشياء حتى بعيون مغمضة. في المحافظات الكردية الثلاثة التي تتشكل منها الفدرالية الكردية, المواطنون العراقيون من غير الأكراد, هم ضيوف على أهلها, أما على صعيد الوافدين إليها من المناطق العراقية الأخرى فيعاملون معاملة الأجانب. كل المعطيات, السياسية والثقافية والإقتصادية والعسكرية تشير إلى وجود دولة داخل دولة. حتى في حدود الإعتراف بهذا الوضع غير العادل مطلقا فإن من السهولة تلمس الخطاب الإنفصالي الذي راح يفرض ذاته على المجتمع الكردي الذي وصل إلى حد التثقيف على أن العراق هو هو في حقيقته بلد مستعمر للأكراد وإن لا سبيل أمام الأكراد غير حصولهم على الإستقلال. وللعراقيين الذين يعيشون خارج العراق, وهم بالملايين, فإن الكردي بات يرى العراقي منهم بمثابة العدو الذي وجبت كراهيته.
هكذا تحولت الأخوة العربية الكردية إلى مجرد كذبة كبيرة بعد أن كانت تؤلف مادتها ثقافة وطنية يتغني بها المطربون والشعراء, أما العربي الذي كان ينظر إلى الكردي كمَثَل للصدق والنقاء والطيبة فقد عمل السياسيون الكرد على نزع مشاعره الصادقة هذه من جذورها وبات من المتعذر على العراقيين أن يظلوا خارج مرمى هذه الكراهيات الجديدة.
واليوم فإن أي حديث عن وجود عراق واحد يجب أن يراعي توفير مقومات الوحدة الثقافية والإجتماعية والنفسية بشكل أساسي ولا يسمح لوجود تشكيلات سياسية لا علاقة بنيوية لها مع العناوين الوطنية.
ولا بد لذلك أن يمر من خلال إعادة كتابة الدستور الذي أسس لنظام المكونات وإستبداله بآخر يؤسس لنظام المواطنة بعيدا عن الفكر الديني الطائفي المتخلف والقومي المتعنصر, وهو نظام يشترط وجود مؤسسات مركزية لا تعطي فرصة لوجود أي نوع من التشكيلات الإدارية وخاصة تلك التي تشيع لثقافة الفدراليات التفكيكية, ولا يمنح الفرصة لهيمنة العناوين الخادعة التي ترتب أية ثقافة إنسانية بشكل يتناقض أو يتصادم مع الحاجات الوطنية الأساسية لبناء البلد الواحد الذي يتساوى فيه الجميع أمام القانون دون النظر إلى الدين أو العرق أو الطائفة.

 

اترك تعليق