الراديو لن يموت

0
415

غيث التميمي

نتجاذب أحاديث، الفكر يختلط فيها (بالبشريات) واشياء أخرى؛ مع الصديق الرائع سمو الامير خالد الصباح، الزاهد في كل شيء الا المعرفة والكتاب، أخبرني أنه ومنذ أكثر من 25 عام لم يشاهد تلفزيون، الا ما ندر ، وانه ما يزال ابن (الراديو) معتبرا أن الراديو يمنحه حرية اكثر في تشكيل الصور المفترضة للنص، ولا يفرض عليه صورة محددة تقمع مخيلته.

ثم أرشدني لبرنامج (TuneIn Radio ) وهو نظام ينزل على الآيفون وغيره من اجهزة الموبايل، يُمَكِّن المستفيد منه الوصول لجميع محطات الراديو في العالم، بشكل فائق الدقة والإمتاع.

لم استعد الراديو حين فعلت هذا البرنامج حسب، بل استعدت ثلاثة عقود مضت من حياتي معه.

استعدت جدي الذي يتعاطى الراديو بادمان، استعدت مراهقة نتجول فيها عبر محطاته للسفر خارج أسوار معتقل كبير اسمه (عراق صدام ).

استعدت ابي الذي منذ ان عرفته، وهو يفتتح يومه باغنيات فيروز من خلال اذاعة صوت العراق من بغداد.

لم أكن استعمل المسجل والسي دي وغيرها كثيرا في سيارتي، بقدر استعمالي للراديو، إذاعتي المفضلة بي بي سي العربية، وبعض الإذاعات المحلية، اهمها اذاعة العراق من بغداد.

ربما يعتقد البعض بان زمن الراديو انتهى،  لكن الحقيقة ان الراديو مثل الكتاب، يمثل مرحلة تحول غاية في الأهمية، فالطباعة التي حررت الكتاب من احتكار طبقي متعجرف، وجعلته بمتناول الفقراء، وافقدت رجال الدين بعض هيمنتهم على المقدس، لان الكتب المقدسة أصبحت بمتناول المريدين خارج أسوار المعبد، بعد ان كانت الكتب المقدسة حكرا لدى طبقة رجال الدين في المعبد حصرا.

لكن بقيت المعرفة محصورة في مجيدي القراءة والكتابة بحدود كبيرة، ولو تذكرنا مسلسل ( تحت موس الحلاق) وهو اهم دراما في الذاكرة العراقية، ندرك أهمية التحول الذي احدثه الراديو ( نحباني للوو) تعكس الترجمة المشوهة من محتكري المعرفة، وحاجة الانسان (الوجودية) لتلك المعرفة، الراديو قرّب المسافة بين من لا يجيد القراءة والطبقة المتعلمة.

الراديو منح الفقراء فرصة ان يعبروا أسوار الاستبداد السياسي العالية في شرقنا المتصحر؛ الراديو جعل الفقراء يحضرون حفلات ام كلثوم وَعَبَد الحليم حافظ مباشر.

اكتب هذه السطور وانا استمع لقناة BBC Radio 4 وهي اذاعة ناطقة بالانجليزية بالمخارج البريطانية الأنيقة، لاني متعلم مبتديء لها، يحرص على النطق السليم.

بعض الأشياء لن تفقد خصوصيتها مهما تطورت الحياة، احدها الراديو، ومثله البايسكل، والكتاب، والقلم، والآت العزف الإيقاعية والوترية والهوائية، وتنور الطين، والدلة والفنجان، والمشغولات اليدوية، وماكنة الخياطة 57 brother  والابرة والخيط اليدوية، وغيرها من مفردات عصية على الاستسلام للزمن مهما تقدمت الحياة.

اترك تعليق