مقاربة تاريخية مقارنة للاستفتاء الكردستاني

0
51

صـلاح سالم

أدمن العرب في جل محاولاتهم لبناء الدولة -الأمة، النموذج الشمولي، القائم على القومية العضوية، ومنواله الأبرز ألمانيا في القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين، حيث نما مفهوم الأمة على قاعدة العرق، ومن ثم كان طبيعياً أن يفضي إلى دولة شمولية، تقوم على كلية تتجاوز الفرد والجماعات الفرعية، على النحو الذي دافع عنه الفيلسوف هيغل معتبراً أن الدولة أساس حرية الفرد والجماعة.

فالأخيران لديه ليسا غاية في ذاتَيهما، بل وسيلة لبلوغ الحرية المطلقة التي هي غاية الحركة التاريخية. ولأن الحرية الأصلية/ العقلية تعوقها الحواس والرغبات والغرائز البشرية، فإن الدور الأساسي للدولة هو تنظيم هذه الغرائز حتى تنبلج الحرية الإنسانية، حيث تترك المطالب الفردية جانباً وتصبح الإرادة العامة هي الرابطة الجوهرية للوحدة السياسية.

هكذا يضع هيغل الدولة قبل الفرد، بل يجعلها ضمانة لتحرر كل فرد من المنضوين فيها، فالحرية لديه ليست ليبرالية، تُعوِّل على الذات الفردية وتثق بها، بل شمولية تُعوِّل على كيان كلي.

هذا الفهم سرعان ما جسده بسمارك في توحيد الأقاليم الجرمانية المبعثرة حول بروسيا في ألمانيا عبر القوة العسكرية، في أعقاب حروب كبرى أهمها مع فرنسا، ليكوّن دولة قومية، سرعان ما تشهد نزعات ثقافية تمجد الحيوية العرقية، وتذهب بتطرفها القومي إلى حربين كبريين: الأولى في سياق الصراع على حيازة المستعمرات مع الإمبراطوريات الأوروبية، والثانية في سياق رد الفعل التاريخي على هزيمة النرجسية الجرمانية، والاستجابة السيكولوجية للفكرة النازية كأسوأ تعبير عن قومية عنصرية استبعادية.

وفي الوقت الذي كانت فيه ألمانيا تتطهر من الفكرة النازية والنزعة البسماركية المؤسسة لها، كان العرب المحدثون، الذين خرجوا من عباءة الإمبراطورية العثمانية، قد أدمنوا النموذج البسماركي، وكأنها عقدة نقص تاريخية لدى أمة كانت دخلت، ربما منذ العصر العباسي الثاني، في حالة بيات سياسي وخضعت لنموذج الدولة الرعوية، وعاشت جل شعوبها قروناً طوالاً في ظل عقد حماية من عرقيات أخرى، كالفرس والترك والكرد، يقومون عنهم بمهمة حفظ الأمن مقابل إدارة السياسة. والبادي أنهم أرادوا أن تكون لحظة استقلالهم، التي يسّرها لهم الغرب الاستعماري بهزيمته الدولة العثمانية، لحظة ثأرية من كل الأقليات العرقية التي انطوى عليها الاجتماع العربي في القرن العشرين، وعلى رأسهم الأكراد الذين يتداخلون في نسيج المنطقة برمتها، وينطوي تاريخهم على بعض أمجادها، والكثير من أحزانها.

في العراق تحديداً، الذي صاغ الغرب الاستعماري حدوده الراهنة عبر معاهدة سايكس – بيكو التي صرنا نحلم بتثبيت الأوضاع التي أنشأتها بعد فاصل طويل من هجائها، كانت تجربة البعث الأكثر دموية ومأسوية على نحو كان محتماً أن يعزز وعياً انفصالياً لدى كل إنسان يرى أنه أهل للحرية وليس عبداً محدثاً تحت الطلب. وبينما كان الألمان قبل ثلاثة عقود تقريباً يعيدون توحيد دولتهم على أسس جديدة ديموقراطية، واندماجية طوعية، تنسج على المنوال الفرنسي في صوغ الدولة الوطنية، على قاعدة العيش الإنساني المشترك والخبرة التاريخية الحية، كان صدام حسين يقتحم مناطقهم ويدمر بيوتهم، ويقتل الحياة على أرضهم بأسلحته الكيماوية في لحظة هزيمته وشعوره باليأس، في أعقاب فشله في غزو الكويت وضمها إلى بغداد، في نزوع بسماركي يمت بصلة للقرن التاسع العشر لا العشرين.

وبهزيمة البعث ونهاية صدام كان طبيعياً أن تنمو أحلام الحرية والكرامة، ولأن دولة ما بعد البعث لم تشهد سوى تغاير في مركز الهيمنة، من بعث وسنّة إلى شيعة وولاية فقيه، ولأن السلطة المركزية في بغداد تهلهلت وصارت ظلاً لصراع الميليشيات، بعدما تحللت أسس العيش المشترك، لم يكن بد من سفور النزعات القومية والانفصالية، وهو السياق الذي حصلت فيه وقائع الاستفتاء الكردي، الذي طالب بالافتراق عن بغداد.

لقد وصلنا إلى تلك اللحظة بفعل مسار تاريخي يجب أن يتوقف، حيث وقع الاستفتاء ولم يقع الانفصال بعد، فدونه عقبات وأهوال من حصار بغداد، ورفض جوارها الإقلىمي التركي والإيراني المعني بالقضية، وتنديد عالمي لا يخالفه سوى الحماسة الإسرائيلية المفهومة دوافعها. وظني أن الفرصة اليوم قائمة، أكثر من أي وقت مضى، للحوار حول فيديرالية فعالة تصون الحقوق والحريات لهذا العرق المعذب، وذلك الوطن الممزق، وتعيد تعريف الواجبات والمسؤوليات على الجميع.

لقد رفع بارزاني راية الحوار، ويجب أن تكون بغداد مستعدة له بصفقة شاملة أساسها المتين وحدة العراق، مع تحقيق أكمل صيغ التعايش وأشكال تقاسم السلطة بين الأقاليم الفيديرالية والحكومة المركزية. وربما كانت الإجراءات المتسارعة التي اتخذتها بغداد بمثابة رد فعل غريزي على الاستفتاء، يمكن تفهمه، ولكن ينبغي عليها من الآن أن تفكر بعمق في اليوم التالي، وألا يغرها الرفض الدولي الذي سيخفت صوته بعد قليل، وكذلك التحدي الإقليمي من تركيا وإيران الذي قد يخفت مع عقد صفقات من نوع يضمن استقرار أوضاع الأكراد في البلدين، فلا تفرط الدولتان عبر إجراءات الحصار والعقاب من دون صفقة شاملة للحل. فتفريط كهذا طريق مؤكد إلى رفع السلاح في نقطة ما على المفترق، وعندئذ تكون بغداد قد أعادت إنتاج الأسوأ في تاريخ المنطقة والبعث وصدام حسين، فيما صارت الأمة أضعف وأقل حصانة مما في أي وقت من القرن العشرين، الذي كان متعيناً فيه أن نغادر صيغة القومية العضوية إلى صيغة التعددية الوطنية. والآن يتعين علينا أن ندفع ثمن التأخر التاريخي مضاعفاً، ومن دون إبطاء قد يفضي إلى الانفجار التام الذي تغيب بعده الحدود والمسؤوليات معاً.

 

اترك تعليق